جفرا نيوز -
اتفق مدير إدارة مكافحة المخدرات السابق اللواء المتقاعد أنور الطراونة، والخبير الأمني والسياسي أحمد بني حمدان، على أهمية متابعة تصاعد عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود، في ظل استخدام وسائل متطورة تشمل الطائرات المسيّرة والبالونات الموجّهة إلكترونياً، وضبط القوات المسلحة الأردنية كميات من المواد المخدرة خلال الفترة الماضية.
ويرى الطراونة وبني حمدان، خلال حديثهما لـ "قناة المملكة"، أن التحولات في مسارات التهريب، ولا سيما تراجعها في المنطقة الشمالية وتصاعدها عبر المنطقة الجنوبية والغربية، تطرح تساؤلات بشأن أسباب هذا التغير، في وقت تتباين فيه قراءتاهما لدوافع عمليات التهريب وأبعادها، بين العوامل الاقتصادية والتساؤلات المتعلقة بالأهداف الأمنية والاستراتيجية.
وقال الطراونة إن عمليات التهريب شهدت في السابق نشاطاً ملحوظاً عبر المنطقة الشمالية، مع تسجيل محاولات عديدة، فيما لم تكن المنطقة الجنوبية تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام، رغم تعقيد طبيعة الحدود فيها. وأضاف أن العامل الاقتصادي يمثل أحد أبرز دوافع التهريب، في ظل الفارق في أسعار المخدرات بين الأردن وإسرائيل.
وأوضح الطراونة أن منطقة النقب والمناطق الحدودية المحيطة بها تشهد نشاطاً في عمليات التهريب، لافتاً إلى أن المؤشرات على تغير طبيعة هذه العمليات بدأت بالظهور منذ عام 2024، مع رصد وجود الحشيش الأفغاني الأسود ومادة الهيدرو، التي وصفها بأنها من أنواع الماريجوانا المركزة.
وأضاف أن عمليات التهريب عبر المنطقة الجنوبية الغربية ازدادت خلال عام 2025، وأصبحت الكميات التي يجري ضبطها أكثر وضوحا، مشيرا إلى أن القوات المسلحة الأردنية تتعامل بصورة شبه يومية مع محاولات التهريب.
وبيّن أن استخدام الطائرات المسيّرة والبالونات في عمليات التهريب يؤدي إلى زيادة عدد المحاولات، إذ تُنقل عبرها كميات أقل مقارنة بالتهريب البري، ما يدفع المهربين إلى تكرار المحاولات لزيادة إجمالي الكميات التي يسعون إلى تمريرها.
من جهته، قال بني حمدان إن النظر إلى عمليات التهريب يتطلب قراءة أوسع للسياق الأمني والسياسي في المنطقة، مشيراً إلى ما وصفه بوجود مؤشرات تاريخية على عدم اتخاذ السلطات الإسرائيلية إجراءات فعالة للحد من انتشار المخدرات في بعض المناطق.
وأضاف أن مناطق داخل الأراضي الفلسطينية، بما فيها مناطق الـ48 والضفة الغربية، شهدت انتشاراً للمخدرات، معتبراً أن عدم فاعلية إجراءات المكافحة في تلك المناطق يثير تساؤلات بشأن طبيعة التعامل الرسمي مع الظاهرة.
وفيما يتعلق بالأردن، رأى بني حمدان أن غض الطرف عن عمليات التهريب المحتملة قد يرتبط بأهداف تتجاوز الجانب التجاري، في ظل مشاريع يجري العمل عليها في المنطقة الحدودية الممتدة من نهر اليرموك شمالاً إلى المناطق الجنوبية.
وأشار إلى أن عمليات التهريب باتت تسلك، وفق تقديره، مسارات مختلفة بالتزامن مع الإجراءات الأمنية الإسرائيلية على الحدود، التي تقول إسرائيل إنها تهدف إلى منع تهريب الأسلحة والحد من النفوذ الإيراني أو نشاط التنظيمات المسلحة. وأضاف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي ينظران إلى المنطقة باعتبارها "الجبهة الشرقية"، وفق توصيفه، وليس مجرد حدود بين دولتين تربطهما معاهدة سلام.
وتساءل بني حمدان عن مدى فاعلية الإجراءات الإسرائيلية على الحدود، في ظل استخدام المهربين البالونات الموجّهة إلكترونياً والطائرات المسيّرة، معتبراً أن طبيعة هذه الوسائل تثير تساؤلات بشأن كفاءة منظومات الاستشعار والمراقبة على الجانب الإسرائيلي، ومدى وجود تعاون واضح للحد من عمليات التهريب.
واستحضر تجربة تهريب المخدرات من سوريا إلى الأردن خلال فترة حكم النظام السوري السابق، مشيراً إلى أن الفرقة الرابعة في الجيش السوري كانت، وفق قوله، تؤدي دوراً في تنظيم عمليات التهريب آنذاك. وطرح تساؤلات بشأن ما إذا كانت العمليات الحالية منظمة بالطريقة نفسها، أم تنفذها عصابات إجرامية تنشط في المنطقة.
وفي تعقيبه على طبيعة هذه العمليات، قال الطراونة إن التهريب تنفذه عصابات إجرامية موجودة في المنطقة، مشيراً إلى أن وجود شبكات تهريب لا يعني بالضرورة وجود تنظيم رسمي لها أو ارتباطها المباشر بجهة حكومية.
ولفت إلى أن مشكلة تعاطي المخدرات موجودة في الجانب الإسرائيلي أيضاً، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين انتشار التعاطي والتساؤلات المتعلقة بقدرات القوات الإسرائيلية وإجراءاتها على الحدود. وأضاف أن الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة، والزيارات المتكررة للقادة العسكريين، والمناورات والإمكانات التكنولوجية المتاحة، تطرح تساؤلات بشأن قدرة تلك القوات على رصد محاولات التهريب والتعامل معها.
وأكد الطراونة أهمية عدم الاكتفاء بمتابعة الكميات التي تدخل عبر الحدود، بل تتبع الأموال المتحصلة من هذه العمليات، وتحديد العصابات التي تديرها والجهات التي تستفيد منها، لافتاً إلى أن التهريب يشكل جزءاً من اقتصاد غير مشروع يصعب تحديد جميع أطرافه في ظل غياب معلومات واضحة وكافية.
وأضاف أن الدول قد تواجه مشكلات مرتبطة بالتهريب، إلا أن الإمكانات المتاحة والقدرة على اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية تظلان عاملين مهمين في الحد من هذه العمليات، لا سيما في المناطق الحدودية الحساسة.
بدوره، قال بني حمدان إن عمليات التهريب لا يمكن فصلها، في تقديره، عن قدرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية وحرس الحدود ومكافحة المخدرات، معتبراً أن تصاعدها في المنطقة الجنوبية والغربية، مقابل انخفاضها في المنطقة الشمالية، يثير تساؤلات بشأن أسباب هذا التحول.
وعزا بني حمدان انخفاض عمليات التهريب في المنطقة الشمالية إلى الإجراءات الأردنية الاستباقية، إلى جانب تعاون الحكومة السورية الجديدة، وفق تقديره، في حين أشار إلى زيادة العمليات عبر المنطقة الجنوبية والغربية.
وأضاف أن الفارق في أسعار المخدرات، إلى جانب تكرار عمليات التهريب، يستدعي بحث الجهات المستفيدة من هذه التجارة غير المشروعة، معتبراً أن المسألة قد تتجاوز الأرباح المالية إلى أهداف استراتيجية أوسع.
وقال إن تجارب انتشار المخدرات في مناطق الـ48 والضفة الغربية قد تشكل، من وجهة نظره، مؤشراً يستدعي دراسة تداعيات انتشار هذه الآفة على المجتمعات، مضيفاً أن إغراق المجتمعات بالمخدرات قد يؤدي إلى إضعاف مناعتها الداخلية. وأوضح أن ذلك يمثل قراءة تحليلية للظاهرة، وليس إثباتاً لوجود قرار رسمي إسرائيلي بهذا الشأن.
وأشار بني حمدان إلى أن غياب مؤشرات واضحة على اتخاذ إجراءات إسرائيلية فعالة لمنع التهريب باتجاه الأردن يثير تساؤلات بشأن الموقف الرسمي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل الإمكانات التكنولوجية وأجهزة الاستشعار والمراقبة المتاحة على الحدود.