جفرا نيوز -
الكاتب والباحث: د.محمود سمور
عضوالهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المعهد العالمي لتجديد العربي – وحدة الدراسات الطبية والنظم الصحية وعضو المجلس المركزي لحزب العمال .
المقدمة: عالم من حولنا لا تراه أعيننا
نشاهد ونرى بأننا نستخدم أيدينا في كل شيء تقريبًا حيث نصافح بها الناس ونفتح أبواب ونمسك هواتفنا و نحضّرالطعام ونعتني بأطفالنا وحتى نقبض النقود بها والأسطح المختلفة تلمسها أيدينا كل يوم وفي كل مرة نلمس شيء بأيدينا تلقّط كائنات دقيقة لا نراها وملايين الميكروبات تعيش على جلودنا وبعضها يقيم هناك طول الوقت وبعضها يأتي من المحيط الذي يحيط حولنا وبعضها يسبب الأمراض.
الميكروبات أوالكائنات الدقيقة ليست فقط جزء من البيئة التي نعيش فيها بل جزء طبيعي من جلودنا وبعضها مفيد يساعد في حماية الجلد ويساهم في توازن صحي ولكن في المقابل هناك ميكروبات تستغل فرصة دخولها لأجسامنا إذا وجدت البيئة مناسبة وتسبب أمراض من بسيطة لخطيرة.
هنا السؤال الذي يخطرعلى بال أي شخص: هل الميكروبات الموجودة على أيدينا تعيش معنا كأصدقاء وتحمينا ام تهدد صحتنا كأعداء؟ الجواب ليس بسيط فأن الموضوع يعتمد على نوع الميكروب ومكانه وعدده و قدرته على الإصابة وقوة مناعت الجسم وهل وصل لأماكن حساسة في جسمك ام لا ؟
لو فهمنا هذا العالم الصغيرنستطيع أن نصحح مفاهيم كثيرمغلوطة وغير صحيحة فأنه ليس كل ميكروب عدوولا الذي يبدو نظيف بالأعين ليس دائمًا نظيف فعلاً وان غسل الايدي ليس مجرد عادة بل إجراء مهم فعلاً لحماية نفسك وأشخاص غيرك من العدوى.
أولًا: ما هي الميكروبات الممكن ان تتواجد على أيدينا؟
الميكروبات على الأيدي كثيرة وأهمها البكتيريا والفطريات والفيروسات وأحيانًا طفيليات كما انه يوجد فرق بين الميكروبات التي تعيش بشكل طبيعي على الجلد والميكروبات اللي تنتقل له بشكل عابروبسبب لمس أشخاص أوأسطح أوأدوات ملوثة بمعنى حدوث التلوث.
- البكتيريا اولا
البكتيريا كائنات حية دقيقة بعضها طبيعي وبعضها ضاروتعيش في التربة والماء والهواء وعلى الأجسام وبعض أنواعها موجودة على الايدي دائمًا نذكرالانواع الشائعة منها :
1-المكورات العنقودية الجلدية: شائعة على الجلد وتساعد أحيانًا بمنع استيطان ميكروبات ضارة ولكنها تسبب مشاكل لو دخلت مناطق حساسة خاصة عند ضعف المناعة أووجود أجهزة طبية مزروعة.
2-المكورات العنقودية الذهبية: تحملها وتتواجد عند بعض الناس بدون أي أعراض ولكن ممكن تسبب دمامل وخراجات والتهابات وإذا وصلت الدم أوالأعضاء الداخلية فأنها تصبح أكثرخطورة.
3-الإشريكية القولونية: غالبًا تعيش في الأمعاء ولكن تستطيع أن تنتقل لليدين بعد سوء النظافة من الحمام وبعض أنواعها تسبب إسهال ومشاكل في الأمعاء.
4-السالمونيلا: تأتي من اللحوم والبيض أوالغذاء الملوث أوالحيوانات المصابة وتؤدي للتسمم الغذائي لوانتقلت للفم من الايدي الملوثة.
5-الزائفة الزنجارية(السودوموناس اروجونوزا): تعيش في الأماكن الرطبة والمياه وتسبب عدوى عند الجروح أوالحروق خاصة للمرضى في المستشفيات والعيادات.
6-العصيات اللبنية( لاكتوبلسلس اسيدوفيليس) وبعض البكتيريا الجلدية الأخرى: فهي جزء من سكان الجلد الطبيعي وتساعد في توازن البيئة ولكن وظائفها تتغيرحسب الظروف.
ان وجود بكتيريا على الايدي لا يعني مرض مباشروالعدوى فانها لا تحصل إلا لواجتمعت عوامل كثيرة منها النوع والعدد وطريقة وصولها ومناعة الجسم.
ثانيا: الفيروسات
الفيروسات أصغربكثيرمن البكتيريا فهي تحتاج خلايا حية لتتكاثروتصل لليدين من إفرازات الجهازالتنفسي أوالبرازأوالأسطح الملوثة ومنها:
فيروسات الزكام: تنتقل عبرلمس الأنف أوالفم وتصل للأغشية المخاطية في الأنف أوالعين. - 1
فيروس الإنفلونزا: تنتقل في الأساس عبرنفس المريض لكن الأيدي الملوثة تلعب دورعند لمس الوجه. - 2
3- فيروس كورونا: ينتقل في الأساس عبرالهواء لكن ممكن ينتقل عبرالأسطح ولوأنه أقل شيوعًا من الانتقال بالتنفس.
. فيروس التهاب الكبد الوبائي أ: ينتقل عبرالطريق البرازي الفموي باليد الملوثة ينتقل للفم أوللطعام 4-
. فيروسات الإسهال مثل نوروفيروس وفيروس العجلي فهي تنتقل عبراليدين وتسبب الإسهال والقيء 5-
الفيروسات عادة تبقى على الجلد مؤقتًا وليست من سكان الجلد الطبيعي ويعتمد بقاؤها على نوعها وظروف المكان.
ثالثا: الفطريات
الفطريات تشمل الخمائروالأعفان وبعضها يعيش بشكل طبيعي على الجلد وبعضها ينتقل من شخص أو حيوان أو سطح رطب ونذكرمنها :
1-المبيضات البيضاء: خميرة طبيعية في بعض المناطق لكن لوزادت الرطوبة أو ضعفت المناعة تسبب التهاب.
. 2- الفطريات الجلدية: تسبب سعفة اليدين والقدمين والأظافروتنتقل بالملامسة أوالأدوات الملوثة
. بعض أنواع فطريات الملاسيزية: ترتبط بالجلد وتؤثر في بعض حالات التهابات الجلد 3-
وجود الرطوبة والحرارة والتعرق يساعد الفطريات على النمو لذلك تجفيف اليدين بعد الغسل مهم.
رابعا : الطفيليات
الطفيليات لا تعتبرسكان دائمين للجلد ولكنها تنتقل في حالات معينة مثلاً عند لمس التربة الملوثة أوالحيوانات المصابة نذكر منها:
بيوض الديدان المعوية: تنتقل من الأسطح الملوثة لليدين ثم للفم وتسبب عدوى مثل الدودة الدبوسية. - 1
هذا يوضح أهمية غسل اليدين ونظافة الأظافرخاصة بعد استخدام الحمام وقبل الطعام خصوصًا للأطفال.
ثانيًا: الميكروبات النافعة... الأصدقاء الصامتون
جلد الإنسان عنده مجتمع ميكروبي كامل هوالميكروبيوم الجلدي الذي فيه أنواع كثيرة من البكتيريا والفطريات والكائنات الدقيقة وان وجودهم لا يعني شيء سلبي ولا يدل أن اليد متسخة.
كيف تفيدنا هذه الميكروبات؟وذلك بعدة فوائد للانسان منها :
تزاحم الميكروبات الضارة وتمنعها من الاستقراروالنمو. - 1
تساعد في الحفاظ على سلامة الجلد وتوازن البيئة. - 2
تخلق تفاعل مع الجهازالمناعي وتعدل استجابته في المكان. - 3
بعض البكتيريا تنتج مواد تمنع نمو ميكروبات ضارة. - 4
لكن كل هذه الفوائد لها حدود وممكن للميكروب النافع ان يتحول لمضرلو دخل مكان غيرمكانه أوإذا ضعفت المناعة أوإذا تضررالجلد. المكورات العنقودية الجلدية مثلاً "سكان طبيعيين"، لكن في ظروف معينة تسبب عدوى خطيرة. يعني فائدة أوضررالميكروب يعتمد على نوعه مكانه والظروف المحيطة.
ثالثًا: كيف تتحول الميكروبات الضارة إلى خطر؟
الميكروبات تصبح خطيرة إذا انتقلت من الجلد للجسم أو لشخص آخرأوللطعام ووجدت ظروف مناسبة للنمو
وأهم طرق الانتقال لها هي :
1- من اليد للفم: سواء أثناء تناول الطعام وقضم الأظافرأولمس الشفتين وممكن يسبب عدوى بكتيرية أو فيروسية أو طفيليات معوية.
من اليد للعين والأنف: لمسها بأيدٍ ملوثة ينقل الفيروسات والبكتيريا للأغشية المخاطية. - 2
للجروح والخدوش: الجلد المتضررأقل حماية وأيدٍ ملوثة تسبب التهاب يمكن يزيد. - 3
4- للطعام: المشاركون في إعداد الطعام لو أهملوا غسل اليدين بعد لمس اللحم النيء أواستخدام الحمام ينقلون العدوى للطعام.
. 5- بين الأشخاص: المصافحة أوالتلامس ينقل العدوى خاصة لو واحد مصاب أو حامل ميكروبات
في المستشفيات: الأيدي الملوثة تعمل كجسر نقل بين المرضى والأدوات. - 6
العدوى لا تحصل لمجرد انتقال ميكروب بل تعتمد على نوعه وكمية ما وصل وطريقة الدخول وحالة الجسم الصحية.
رابعًا: أمراض مرتبطة بميكروبات موجودة على ايدينا نذكرمنها:
1-التسمم الغذائي والتهاب المعدة والأمعاء: من خلال أيدي ملوثة تنقل السالمونيلا أوالإشريكية القولونية أو نورو فيروس أوغيره للطعام حيث تحصل أعراض مثل إسهال، قيء، مغص، غثيان، وجفاف خاصة عند الأطفال وكبارالسن.
2-التهابات الجهاز التنفسي: انتقال فيروسات الزكام أوالإنفلونزا عبرلمس الأنف أوالعينين مع وجود أعراض مثل سيلان الأنف، السعال، حرارة، التهاب الحلق.
3-التهابات الجلد والجروح: بعض البكتيريا تسبب دمامل وخراجات والتهاب بالجروح ويظهراحمرارأو تورم أوألم أوحرارة موضعية.
4- العدوى الفطرية: فطريات الجلد تتواجد وتعيش بين الأصابع أو راحة اليد وغالبًا تقشروحكة واحمرارأوتشققات.
5-العدوى بالطفيليات المعوية: بيوض الديدان مثل الدودة الدبوسية وتنتقل عبرالأيدي والأظافروتسبب حكة حول الشرج خاصة عند الأطفال.
6- التهاب الكبد الوبائي أ وعدوى مرتبطة بالمستشفيات حيث خطورتها تزيد عند ضعاف المناعة والمصابين بالأمراض المزمنة.
خامسًا: هل كثرة غسل اليدين تقضي على الميكروبات النافعة؟
البعض يظن إن كثرة غسل اليدين تقتل كل الميكروبات المفيدة وهذا الكلام غيردقيق والماء والصابون يزيل الأوساخ ويقلل الميكروبات الضارة لكن لا يعقم اليد بشكل كامل ولا يمسح كل الكائنات الطبيعية.
حيث انه لوغسلت يديك بحدة أواستخدمت مطهرات قوية بشكل مبالغ فأنه ممكن تضرالجلد وتسبب جفاف وتشققات وهذا يخرب الحاجزالطبيعي. المهم ليس القضاء الكامل على كل ميكروب بل التخلص من الميطك الضاروحماية الجلد نفسه.
سادسًا: كيف تحمي نفسك من الميكروبات الضارة؟
نظافة اليدين عادة بسيطة ولكنها فعالة جدًا:
1-غسل اليدين بالماء والصابون وفرك جيد لمدة 20 ثانية وتنظيف كل جزء بمن بينهم وتحت الأظافر وتجفيف بمنشفة نظيفة.
2-غسّل اليدين قبل الطعام أوقبل اعداد الطعام وبعد الحمام وبعد تغييرحفاض أطفال و بعد السعال أو تنظيف الأنف وبعد لمس حيوانات أونفايات أولحوم نيئة وقبل وبعد العناية بالجروح أو المرضى.
3-استخدم معقم اليدين عند عدم وجود الماء والصابون بشرط يحتوي على كحول 70% ولكن اذا كانت اليد متسخة فعليًا أوفيها طين الأفضل غسلها بالماء والصابون.
. الاعتناء بالأظافروقصها وتنظيفها وعدم قضمها والحافظ على جفافها 4-
5-فصل أدوات اللحوم النيئة عن الطعام الجاهزللطعام وغسل اليدين بعد التعامل مع مواد خام وتنيظف الأسطح والأدوات.
. تجنب استخدام مطهرات الأسطح على الجلد وعدم خلط مواد التنظيف بشكل عشوائي 6-
سابعًا: الأطفال وكبارالسن ومرضى المناعة يجب ان يكون لهم عناية خاصة
الأطفال يلمسون كل شيء بأيدهم ويلعبون على الأرض ويضعون أصابعهم في أفواهم فالنظافة مهمة جدًا لتفادي العدوى. وكبارالسن وذوي المناعة الضعيفة أكثرعرضة للعدوى ومضاعفاتها وفي المستشفيات فأن نظافة اليدين تكون ضرورة عند للعناية بالمرضى أوبعد زيارتهم.
وتعليم الأطفال بأجراءات غسل اليدين وضمان توفيرماء وصابون في المدارس وأماكن العمل وتطبيق مكافحة العدوى في المستشفيات كلها إجراءات بسيطة لكن لها أثركبيرفي الصحة العامة.
الخاتمة: ميكروبات الايدي أصدقاء أم أعداء؟
الميكروبات على أيدينا ليست كلها عدووليست كلها صديق فأن علاقتها بصحتنا تتحدد بنوعها ومكانها وظروفها وجزء منها يحمي الجلد ويمنع الميكروبات الضارة من التكاثرو بينما بعضها ينتقل بسهولة من البيئة للأيدي ومنها للفم أوالعين أوالطعام والجروح وتسبب من أمراض بسيطة لأخرى خطيرة لا يطلب منك أن تخلص جسمك بالكامل من الميكروبات هذا مستحيل أساسًا وغيرصحي والأهم أن تفهم طبيعة الميكروبات وتفرق بين الموجود طبيعيًا والممرض وتحافظ على إجراءات النظافة الوقائية بشكل معتدل.
غسل اليدين والعناية بالأظافروحماية الجروح وإعداد الطعام بشكل سليم وتنظيف اليدين في الأماكن العامة كلها عادات بسيطة لكن أثرها كبير: تمنع العدوى و تحمي الفرد والمجتمع.
ان يدك ممكن تبني وتعطي وتساعد الناس ولكنها ممكن تكون جسرناقل للمرض ان لم يكن هناك الانتباه والحذرفانها تحدث العدوى والفارق الحقيقي هوالوعي بكيفية التعامل مع هذا العالم الميكروبي الصغيروالنظافة الواعية ليست حرب على كل ميكروب وإنما حماية من الضارواحترام توازن الطبيعة التي تحافظ على حياتنا.