اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

عندما يمنح الإسمنت الضوء الأخضر لابتلاع الأراضي الزراعية

الثلاثاء-2026-10-20 11:18 am
جفرا نيوز -
محمود خطاطبة

ما تزال الجهات المعنية في الأردن، الذي يواجه تحديات زراعية واقتصادية متفاقمة، وتحيط به منطقة لا أحد يستطيع التنبؤ بما قد تحمله من حروب وأزمات، مصرة على إبقاء التوسع الأفقي في البناء خيارا وحيدا، بدلا من مراجعة سياساتها، والبحث عن حلول تحفظ الأرض الزراعية.

استمرار الزحف الإسمنتي على الأراضي الزراعية، وترك العمران يتمدد على حساب أراض خصبة تشكل رصيدا وطنيا للأمن الغذائي؛ يؤشر على خلل ما في إدارة هذا الملف، خصوصا أن مسؤولي البلد يؤكدون دوما أنه يعاني ظروفا صعبة.
قضية الزحف الإسمنتي، تمس مستقبل الأردن وأمنه الغذائي ومصالح مواطنيه؛ فحين تتراجع المساحات الزراعية لمصلحة المشاريع العقارية، يصبح من الضرورة معرفة من يحدد الأولويات، وكيف تتخذ القرارات التي قد تؤدي إلى خسارة موارد يصعب تعويضها.

هناك ضرورة للمساكن، وكذلك الاستثمار العقاري في الاقتصاد، لكن ليس على حساب الأراضي الزراعية، وكأنها الخيار الأسهل لدى الجهات المختصة.. إذ يجب مراجعة القوانين والأنظمة المتعلقة بمواقع المباني وارتفاعها وعدد طوابقها، بغية التقليل من استهلاك المزيد من الأراضي الزراعية.

ومن أجل حماية الأراضي الزراعية التي امتد العمران إليها، فإن المطلوب مراجعة ارتفاعات المباني وكثافتها وفق طبيعة المناطق، وقدرة البنية التحتية على استيعاب السكان، والنظر بشكل واقعي إلى السماح ببناء عشرة طوابق أو خمسة عشر أو حتى عشرين طابقا (البناء العمودي).

نقطة أساسية، يجب التوقف عندها والنظر إليها مليا، ألا وهي: أن الأرض الزراعية ليست مشروعا عقاريا، أو مساحة يمكن تحويلها إلى مشروع سكني أو تجاري متى ارتفعت قيمتها العقارية.. العكس تماما، فهي مورد وطني، ومصدر إنتاج، ودخل لعائلات متوسطة ومحدودة الدخل تعتمد على الزراعة في معيشتها.

وأي تراجع في هذه الأراضي لا يعني خسارة مساحة من الأرض فحسب، بل فقدان مصدر رزق لأسر، وتراجع الإنتاج المحلي، وإضعاف قدرة الأردن على مواجهة اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الغذاء.

وفي منطقة لم تشهد منذ أوائل القرن الماضي هدوءا، وتعيش في حروب وأزمات، يصبح الحفاظ على الأراضي الزراعية ضرورة إستراتيجية، لا تحتمل التأجيل.. فعندما تتعطل الإمدادات الغذائية وترتفع كلف الاستيراد، لا نستطيع تحويل الكتل الإسمنتية إلى الإنتاج الزراعي من جديد.

نقطة ثانية في غاية الأهمية، تتمثل بأن مصلحة المواطن لا تقل عن مصلحة المستثمر، إذ يسهم البناء العمودي في استيعاب سكان أكثر ضمن مساحات أقل، وتوزيع كلفة الأرض على وحدات سكنية أكثر، وفي الوقت نفسه يتيح فرصا استثمارية أفضل لشركات العقارات وأصحاب رؤوس الأموال.

ولضمان الحصول على نتائج إيجابية، يجب وضع خطة توازن بين حق المواطن في سكن، وحق المستثمر في العمل، وحق الدولة في حماية مواردها، لا أن تقتصر المنفعة على المستثمر فقط.

لم يعد أمرا عاديا أن تتحدث الجهات المعنية عن الأمن الغذائي وحماية الموارد الطبيعية، بينما يستمر التوسع العمراني من دون مراجعة جادة لآثاره على الأراضي الزراعية.. فالمطلوب حماية الأراضي الصالحة للزراعة، ووضع ضوابط تمنع استنزافها، ودراسة زيادة ارتفاعات المباني، فضلا عن ضرورة «شفافية» القرارات التي تسمح بتغيير استخدام الأراضي الزراعية.
الأردن بحاجة ماسة في هذا الوقت إلى أرض تنتج الغذاء، وتعزّز قدرته على مواجهة الأزمات، خصوصا أن الأمن الغذائي ليس ملفا ثانويا يمكن التضحية به لمصلحة التوسع العقاري. فقد يوفر «الإسمنت» سكنا واستثمارا، لكن الأرض الزراعية توفر الغذاء والعمل والاستقرار.

ذلك يعني، أن حماية الأراضي الزراعية مسؤولية وطنية، والتقصير فيها يستوجب المراجعة والمساءلة؛ فحماية الأرض اليوم أقل كلفة من الندم على خسارتها غدا، خصوصا أن استعادتها للإنتاج بعد تغيير استخدامها العمراني ليس أمرا سهلا.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير