جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف
إسرائيل وطابورها الخامس في هذه المدينة يسعيان إلى دفعنا وجرّنا نحو حرب مع إيران - باتريك بوكانان، مستشار الرئيسين نيكسون وريغان.
قرأتُ عشرات المقالات والأبحاث، وكتبتُ حول المقارنة بين الحرب الحالية للولايات المتحدة مع إيران والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ويرى العديد من أبرز المحللين في العالم أن حرب السويس شكّلت الضربة النهائية لبريطانيا العظمى باعتبارها أكبر قوة مهيمنة في العالم آنذاك، كما يرى بعضهم أن حرب إيران قد تمثل نقطة تحول في مسار الهيمنة الأمريكية عالميًا.
تتشابه الحربان في العديد من الجوانب؛ فقد وقعتا في الشرق الأوسط، وارتبطتا بممرات مائية استراتيجية، ولم تكونا حربين شعبيتين بالمعنى التقليدي. كما ارتبطتا بالكيان الصهيوني، وشارك فيهما وكلاء وحلفاء. إضافة إلى ذلك، بدأت كلتاهما بنجاحات عسكرية كبيرة للطرف المهاجم، قبل أن تنتهي المواجهة بانتصار الطرف الأضعف على قوة عظمى.
في عام 1956، قرر الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، التي كانت مملوكة للمساهمين البريطانيين والفرنسيين، مع عرض تعويض المساهمين عن ممتلكاتهم. ورأت مصر أن التأميم حق سيادي وقانوني لها، إلا أن بريطانيا رفضت القرار. وفي الوقت ذاته، اعتبر الكيان الصهيوني الأزمة فرصة للقضاء على خصمه عبد الناصر، والحد من قدرة مصر على التحكم بالقناة، ووقف دعم الجماعات المناهضة له في منطقة مضيق تيران. لذلك بدأت «إسرائيل» الهجوم، ثم انضمت إليها بريطانيا وفرنسا، لكن الحرب لم تحظَ بدعم الولايات المتحدة، التي مارست، إلى جانب الاتحاد السوفيتي، ضغوطًا أدت إلى وقف العدوان.
أما في حرب إيران، فقد بدأت الولايات المتحدة «وإسرائيل» الهجوم، مبررتين ذلك بالرغبة في القضاء على البرنامج النووي الإيراني ووقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة. قدّم نتنن ياهو للرئيس ترامب معلومات مضللة دفعته إلى اتخاذ قرار الحرب، رغم وجود تقارير أخرى حذّرته من هذه الخطوة. كما اعتقد ترامب أن اغتيال المرشد الإيراني سيؤدي إلى سقوط النظام، إلا أن ذلك لم يحدث.
يكمن الاختلاف الأساسي بين الحربين في وضع القوى العظمى المشاركة. فبريطانيا عام 1956 كانت في مرحلة تراجع، وكان الدولار الأمريكي قد تجاوز الجنيه الإسترليني كأهم عملة عالمية. كما كانت بريطانيا تعاني من ارتفاع الدين مقارنة بالناتج المحلي، واضطرت إلى طلب قروض إضافية من صندوق النقد الدولي، الذي رفض تقديم الدعم ما لم تنسحب من حربها ضد مصر.
أما الدولار الأمريكي اليوم، فعلى الرغم من تراجعه النسبي، فإنه لا يزال العملة الأهم عالميًا، ولا توجد عملة بديلة قادرة على منافسته. وقد حاولت إيران، كما حاول الرئيس صدام حسين سابقًا، الدفع نحو تداول النفط بعملات غير الدولار، إلا أن هذه المحاولات لم تُضعف مكانته؛ فالنظام المالي العالمي وشركات التأمين ما زالا يعتمدان عليه، كما ارتفعت خلال الحرب عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
وبرأيي، كان أحد أهم أسباب وقف الحرب هو النقص الحاد في الصواريخ الاعتراضية. فقد أدّى ذلك إلى تعرض أهداف أمريكية في المنطقة للهجمات، ووصول الصواريخ إلى عمق الكيان الصهيوني. وأدركت الولايات المتحدة أنها، رغم قدرتها على إلحاق دمار هائل بإيران، لن تستطيع منع استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة أو ضمان عدم إغلاق مضيق هرمز.
وبذلك يمكن القول إن الحربين بدأتا بصورة متشابهة، لكن نهايتهما اختلفت؛ فقد انتهت أزمة السويس بسبب الضغوط المالية والسياسية التي واجهتها بريطانيا، بينما انتهت حرب الولايات المتحدة مع إيران، بسبب عوامل مرتبطة بالقدرات التصنيعية والقدرة على مواصلة الحرب.
الدرس المهم المستخلص من هاتين الحربين، برأيي، هو أن «إسرائيل» ورّطت قوى عظمى في حربين لتحقيق مصالحها الخاصة؛ فالأولى أسهمت في نهاية إمبراطورية، بينما أدّت الثانية، إلى تراجع قوة عظمى أخرى، وأنها لن تعود القوة الوحيدة المهيمنة في العالم.