اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

احتجاجات أوروبا وراءها غلاء المعيشة والطاقة ومجازر غزة والأزمة مع إسرائيل

الثلاثاء-
جفرا نيوز -
اياد العدوان

تواجه عدة دول أوروبية موجة من الاحتجاجات التي تتداخل فيها أزمات غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف السكن والطاقة، مع تراجع القدرة الشرائية والاعتراض على الإنفاق الحكومي والإصلاحات التعليمية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين عدد من العواصم الأوروبية وإسرائيل توتراً سياسياً متصاعداً على خلفية الحرب في قطاع غزة.

وبينما تبدو الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المحرك المباشر لهذه الاحتجاجات، فإن تزامنها مع خلافات سياسية بشأن إسرائيل يفتح باباً لتساؤلات أوسع حول استقرار القارة الأوروبية، واحتمالات استغلال الأزمات الداخلية من أطراف خارجية، ومدى وجود مؤشرات على حملات تأثير تستهدف توجيه الغضب الشعبي أو توسيع الاضطرابات.

ولا ينطلق هذا التساؤل من افتراض أن الاحتجاجات مفتعلة، أو أن جهة بعينها تقف وراءها، بل من ضرورة التمييز بين الأسباب الحقيقية للاحتقان الاجتماعي، وأي محاولات محتملة لاستثمار هذا الاحتقان في الصراعات السياسية الدولية.

غلاء المعيشة يشعل الشارع الأوروبي

شهدت فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال، في 17 تشرين الأول الحالي، احتجاجات منفصلة تركزت مطالبها على ارتفاع تكاليف المعيشة والأجور والسكن والتعليم، فيما شهدت بعض التجمعات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب واعتقالات.

ووفقاً لتقرير نشرته الجزيرة في 17 تشرين الأول، شارك مئات الآلاف في تحركات شهدتها عدة دول أوروبية، وكانت فرنسا من أبرز بؤر الاحتجاج، في حين تركزت مطالب المتظاهرين في البرتغال على الأجور والمعاشات وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة، وشهدت بلجيكا تحركات طلابية اعتراضاً على تكاليف التعليم والإصلاحات المرتبطة به.

وفي إيطاليا، بدأت مسيرات في ميلانو ومدن أخرى بمطالب تتعلق بغلاء المعيشة والحروب والإنفاق العام، قبل أن تشهد بعض المناطق مواجهات وأعمال تخريب.

وأشار التقرير إلى أن هذه الاحتجاجات ليست حركة موحدة ذات قيادة واحدة، بل تحركات متزامنة تتقاطع في بعض المطالب، مع اختلاف الظروف المحلية والأسباب المباشرة في كل دولة.

وتكمن أهمية هذا التفصيل في أن تزامن الاحتجاجات عبر الحدود لا يعني بالضرورة وجود جهة واحدة تنظمها، لكنه يجعل من الضروري متابعة كيفية انتقال الدعوات بينها، ودور المنصات الرقمية في تعبئة المشاركين، وما إذا كانت هناك أطراف تحاول توظيف الغضب القائم.

المصدر: تقرير الجزيرة حول احتجاجات غلاء المعيشة في أوروبا.

إسرائيل في مواجهة تحولات الموقف الأوروبي

بالتوازي مع الأزمات الداخلية، شهدت العلاقات الأوروبية الإسرائيلية خلافات متزايدة بشأن الحرب في غزة، وسط مطالبات شعبية وسياسية بوقف الحرب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واتخاذ إجراءات أكثر حزماً تجاه الحكومة الإسرائيلية.

واتخذت إسبانيا خطوات رسمية لفرض قيود على تجارة الأسلحة مع إسرائيل، ومنع استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بموجب إجراءات أقرتها حكومتها في أيلول 2025.

وفي بلجيكا ودول أوروبية أخرى، برزت مواقف داعمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومطالب بتشديد القيود على التعاملات المرتبطة بالمستوطنات، إلى جانب الخلافات بشأن استمرار التعاون العسكري والتجاري مع إسرائيل.

وتظهر هذه التطورات أن العلاقة بين إسرائيل وبعض الحكومات الأوروبية لم تعد محصورة في الخلافات الدبلوماسية التقليدية، بل امتدت إلى إجراءات سياسية واقتصادية ذات آثار مباشرة على العلاقات الثنائية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه الخلافات يمكن أن تتقاطع مع الأزمات الداخلية الأوروبية، بحيث تصبح حالة الاستياء الشعبي عاملاً مؤثراً في قدرة الحكومات على مواصلة سياساتها الخارجية، أو تتيح لأطراف مختلفة استثمار انشغالها بالأوضاع الداخلية.

المصدر: الحكومة الإسبانية بشأن القيود المفروضة على تجارة السلاح ومنتجات المستوطنات.

تحذير من احتمال التدخل الخارجي.. ماذا حدث في فرنسا وبلجيكا؟

من أبرز الخيوط التي تستحق الفحص في هذا الملف، تقرير نشرته صحيفة «ذا بروكسل تايمز» في 10 تشرين الأول الحالي، نقل عن خبير في الاتصالات تحذيره من احتمال وجود تدخل خارجي وراء دعوات عبر منصة تيك توك للاحتجاج في مدن فرنسية وبلجيكية يوم 17 تشرين الأول.

ووفقاً للتقرير، ظهرت مقاطع تدعو إلى العودة للشوارع بعد احتجاجات سابقة، وحققت بعض هذه المقاطع تفاعلاً واسعاً، كما تضمنت صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لمجموعات اجتماعية مختلفة في مواجهة مؤسسات الدولة.

وطرح الخبير رينوت فان زاندفيك احتمال أن تكون الحرب الهجينة أحد التفسيرات التي ينبغي عدم استبعادها، مشيراً إلى أن قوى خارجية استخدمت منصات التواصل الاجتماعي في الماضي للتأثير في الأوضاع الداخلية لدول أخرى.

لكن التقرير لم يقدم دليلاً يثبت أن إسرائيل تقف وراء هذه الدعوات، ولم ينسب إليها تمويلها أو تنظيمها، كما أن التحذير من احتمال التدخل الخارجي لا يساوي إثبات وقوعه، خصوصاً أن الاحتجاجات نفسها تستند إلى مطالب اقتصادية وتعليمية واجتماعية قائمة.

وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تفتح مساراً للتحقيق في مصدر الحسابات التي نشرت الدعوات، وطبيعة التنسيق بينها، والجهات التي قد تكون وراءها، بدلاً من الاكتفاء بالتكهن بشأن هوية المستفيدين من الاضطرابات.

المصدر: تقرير ذا بروكسل تايمز بشأن احتمال التدخل الخارجي في الدعوات للاحتجاج.

سابقة موثقة.. حملة رقمية مرتبطة بشركة إسرائيلية

وفي سياق البحث عن سوابق يمكن أن تساعد في فهم أساليب التأثير السياسي عبر الإنترنت، كشفت شركة ميتا في أيار 2024 عن إزالة شبكة حسابات غير أصيلة مرتبطة بشركة التسويق السياسي "ستويك"، التي تتخذ من تل أبيب مقراً لها.

ووفقاً لتقرير نشرته رويترز في 29 أيار 2024، استخدمت الشبكة حسابات بدت وكأنها تمثل فئات مدنية مختلفة، ونشرت محتوى مؤيداً للمواقف الإسرائيلية في الحرب على غزة، بما في ذلك تعليقات ومشاركات على منصات التواصل الاجتماعي.

وتوفر هذه الواقعة مثالاً موثقاً على استخدام حسابات مضللة وحملات رقمية للتأثير في النقاش العام بشأن الحرب، كما توضح أهمية تتبع الجهات التي تدير الحسابات، والروابط بينها، وطبيعة المحتوى الذي تنشره.

غير أن هذه السابقة لا تثبت وجود صلة بين الشركة والاحتجاجات الأوروبية الحالية، ولا تسمح بالاستنتاج بأن إسرائيل تسعى إلى زعزعة استقرار الدول الأوروبية التي انتقدت سياساتها.

فالانتقال من إثبات وجود حملة تأثير رقمية في قضية معينة إلى اتهام جهة بإثارة اضطرابات في قضية أخرى، يحتاج إلى أدلة تربط بين الحالتين، سواء من خلال التمويل أو الاتصالات أو إدارة الحسابات أو نتائج التحقيقات الرسمية.

المصدر: رويترز بشأن شبكة الحسابات المرتبطة بشركة ستويك.

شبكات النفوذ السياسي.. أين ينتهي الضغط المشروع ويبدأ التدخل؟

ومن المسارات الأخرى التي تستحق الدراسة، شبكات الضغط السياسي المؤيدة لإسرائيل في أوروبا، وما تقوم به من أنشطة للتواصل مع المسؤولين وصناع القرار وتنظيم الزيارات والفعاليات السياسية.

وفي تحقيق نشره مشروع الصحافة الاستقصائية الأوروبية عام 2025، تناول صحفيون شبكة «إي إل نت» ودورها في توسيع النفوذ المؤيد لإسرائيل في أوروبا، مستندين إلى سجلات عامة ومقابلات واستقصاءات عبر عدة دول.

كما أوضحت المفوضية الأوروبية، في رد رسمي نُشر في شباط 2026، أن شبكة «إي إل نت» تنظم زيارات لمسؤولين إسرائيليين سابقين وشخصيات مؤثرة إلى المؤسسات الأوروبية، وتطلب اجتماعات مع مسؤولين أوروبيين، وأن مؤسسات الاتحاد تتعامل معها، كما تتعامل مع منظمات غير حكومية أخرى.

وتوفر هذه المعلومات مدخلاً لدراسة آليات التأثير السياسي، ومصادر التمويل المعلنة، وطبيعة العلاقات مع المسؤولين، ومدى انعكاس أنشطة الضغط على النقاشات المتعلقة بإسرائيل.

لكن ممارسة الضغط السياسي، أو تنظيم لقاءات مع المسؤولين، لا تشكل بحد ذاتها دليلاً على تدخل غير قانوني أو على صلة بالاحتجاجات. ويقتضي التحقيق الفصل بين نشاط الضغط المعلن، وأي نشاط سري محتمل لا يمكن إثباته إلا بوثائق أو أدلة مستقلة.

المصادر:

تحقيق الصحافة الاستقصائية الأوروبية حول شبكة إي إل نت.

رد المفوضية الأوروبية بشأن التعامل مع شبكة إي إل نت.

الاتحاد الأوروبي نفسه يحذر من حملات التأثير الخارجي

وفي تقريره الصادر في آذار 2025، تناول جهاز العمل الخارجي الأوروبي التلاعب بالمعلومات والتدخل الأجنبي، موضحاً أن البنية الرقمية المستخدمة في هذه الأنشطة شملت جهات خارجية، ولا سيما روسيا والصين، في محاولات للتأثير في البيئة المعلوماتية للاتحاد الأوروبي والدول الشريكة.

ويؤكد هذا التقرير أن التلاعب بالمعلومات والتدخل الخارجي يمثلان تحدياً أمنياً وسياسياً حقيقياً لأوروبا، وأن دراسة هذه الظواهر تتطلب تحليل البنية الرقمية للحملات، وتحديد الحسابات والقنوات المشاركة، وتتبع أنماط النشر والتنسيق.

لكن التقرير لا يقدم دليلاً على أن إسرائيل تقف وراء احتجاجات غلاء المعيشة الحالية. كما أن توثيق تدخلات منسوبة إلى دول أخرى لا يجوز استخدامه دليلاً غير مباشر لإدانة دولة لم تثبت صلتها بالواقعة.

المصدر: تقرير جهاز العمل الخارجي الأوروبي بشأن التلاعب بالمعلومات والتدخل الأجنبي.

من يستفيد من انشغال أوروبا بأزماتها؟

من الناحية السياسية، يمكن أن يؤدي استمرار الاحتجاجات واتساع الخلافات الداخلية إلى استنزاف اهتمام الحكومات الأوروبية ومواردها، وزيادة الضغوط عليها في ملفات السياسة الخارجية.

وقد تستفيد إسرائيل من أي تراجع في وحدة الموقف الأوروبي بشأن الحرب في غزة، أو من تأجيل قرارات تتعلق بالعقوبات أو تجارة السلاح أو العلاقات التجارية. لكن هذا الاحتمال يظل تحليلاً للنتائج الممكنة، ولا يثبت أن إسرائيل تسببت في الاحتجاجات أو سعت إلى تأجيجها.

وفي المقابل، قد تدفع الاحتجاجات الحكومات إلى تشديد مواقفها الخارجية إذا تحولت المطالب الشعبية المتعلقة بغزة وحقوق الفلسطينيين إلى عامل مؤثر في النقاش السياسي والانتخابي.

ولذلك، فإن تحديد المستفيد من اضطراب سياسي لا يكفي وحده لتحديد المسؤول عنه، بل ينبغي البحث عن أدلة على وجود علاقة تنظيمية أو مالية أو إعلامية مباشرة بين أي جهة خارجية والأحداث التي يجري التحقيق فيها.

ما الذي يحتاج إلى إثبات؟

حتى الآن، تشير المعلومات المتاحة إلى وجود احتجاجات لها أسباب اقتصادية واجتماعية واضحة، وتحذيرات من احتمال استغلال منصات التواصل الاجتماعي في تعبئة المحتجين، وسوابق موثقة لحملات تأثير رقمية مرتبطة بشركة إسرائيلية، إلى جانب أنشطة ضغط سياسي معلنة مرتبطة بإسرائيل في أوروبا.

لكن هذه العناصر لا تشكل مجتمعة دليلاً على أن إسرائيل تقف وراء الاحتجاجات الحالية.

وللانتقال إلى استنتاج أكثر تحديداً، يتطلب التحقيق فحص الحسابات التي نشرت دعوات الاحتجاج، وتحديد توقيت إنشائها وأنماط نشاطها، والبحث عن أي تمويل أو تنسيق مشترك، ومقارنة ذلك بتواريخ القرارات الأوروبية المتعلقة بإسرائيل. كما ينبغي التحقق مما إذا كانت أجهزة الأمن أو الجهات القضائية في الدول المعنية قد أعلنت نتائج بشأن تدخل خارجي في هذه الاحتجاجات.

وفي حال ظهور أدلة على صلة بجهة إسرائيلية، ينبغي التحقق من طبيعة هذه الصلة ومدى ارتباطها بالاضطرابات، وعدم الاكتفاء بإثبات وجود حسابات مؤيدة لإسرائيل أو علاقات سياسية مع مسؤولين أوروبيين.


بصورة عامة؛ تكشف الاحتجاجات الأوروبية عن ضغوط اقتصادية واجتماعية حقيقية، في وقت تتزايد فيه الخلافات بشأن الحرب في غزة ومستقبل العلاقات مع إسرائيل. كما تظهر الوقائع السابقة أن حملات التأثير الرقمي وشبكات النفوذ السياسي تستحق المتابعة والفحص، خصوصاً عندما تتزامن مع اضطرابات واسعة أو خلافات دولية حادة.

لكن السؤال الاستقصائي الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كانت هناك صلة قابلة للإثبات بين الجهات التي تحاول التأثير في الاحتجاجات الأوروبية وأي أطراف خارجية، بما فيها جهات إسرائيلية.

والإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من التزامن وحده، بل من الوثائق والتمويل والاتصالات والنتائج الرسمية التي قد تكشف ما إذا كانت الاحتجاجات تعبيراً عن غضب اجتماعي داخلي فحسب، أم أن أطرافاً خارجية تحاول استثمارها أو توجيه مسارها.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير