اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

جفرا نيوز وصوت المدرجات في مواجهة سؤال العدالة وتكافؤ الفرص

الإثنين-
جفرا نيوز -
بقلم: عبدالرحمن الأمعري

منذ نحو سبع سنوات، أصبحت المقابلات الجماهيرية في الملاعب والشوارع جزءًا من المشهد الرياضي الأردني؛ ميكروفون يقترب من المشجع، وكاميرا تنقل نبض المدرجات، وشباب قرروا دخول الميدان بإمكانات بسيطة، ليمنحوا الجماهير مساحة للتعبير عن آرائها وانتماءاتها ومشاعرها تجاه أنديتها.

لم تكن هذه التجربة مجرد أسئلة عابرة أو تعليقات طريفة بعد المباريات، بل تحولت إلى مساحة للتعارف والحوار والمناكفة الرياضية، وأصبحت بعض الوجوه الشابة معروفة لدى جماهير الأندية المختلفة، من الفيصلي والوحدات إلى الرمثا والحسين إربد وسائر الأندية الأردنية.

واليوم، مع تصاعد الدعوات إلى ضبط المقابلات الجماهيرية، يبرز سؤال يستحق أن يسمعه الجميع: هل نريد تنظيمًا حقيقيًا يطوّر المهنة ويحمي الجماهير، أم أن بعض المقترحات قد تؤدي عمليًا إلى إغلاق الأبواب أمام الشباب الذين وجدوا في الميدان فرصة لإثبات أنفسهم؟

نحن مع التنظيم الذي يحمي الحقوق، ومع الإعلام المسؤول، وضد الإساءة والتشهير والتجاوزات. لكننا في الوقت نفسه مع العدالة وتكافؤ الفرص، وضد أن تتحول معالجة الأخطاء الفردية إلى تضييق على تجربة كاملة امتدت سنوات.

سبع سنوات قرّبت الجماهير… فهل أصبحت المقابلات فتنة؟

لعل أهم ما يستحق التوقف عنده في تجربة المقابلات الجماهيرية هو بعدها الاجتماعي، الذي يتجاوز حدود النتيجة والفوز والخسارة.

فخلال هذه السنوات، أتيحت الفرصة لمشجع الحسيني أن يتعرف إلى مشجع فيصلاوي، ولمشجع رمثاوي أن يتبادل الحديث مع مشجع وحداتي، والعكس صحيح. وأصبح بعض المشجعين الذين كانت تجمعهم المنافسة داخل الملعب يتبادلون المزاح والتعليقات، ويتعارفون بصورة أقرب، وقد تمتد العلاقة إلى لقاءات ودية وجلسات مشتركة ومائدة عشاء بعد المباراة.

وهنا تكمن قيمة هذه التجربة؛ فالمشجع الذي كان يرى أمامه لونًا منافسًا فقط، أصبح قادرًا على التعرف إلى إنسان يختلف معه في تشجيع النادي، لكنه يشاركه حب كرة القدم والانتماء للأردن.

لقد منحت هذه اللقاءات مساحة للتعارف المباشر، وفتحت المجال أمام حوارات عفوية ومناكفات رياضية يمكن أن تجمع الناس بدلًا من أن تفرقهم، ما دامت ضمن حدود الأدب والاحترام.

ومن هنا، فإن وصف المقابلات الجماهيرية عمومًا بأنها مصدر للفتنة يستدعي نقاشًا موضوعيًا: ما الوقائع المحددة التي يستند إليها هذا الوصف؟ وما الأدلة التي تثبت أن المقابلات بحد ذاتها كانت سببًا في إشعال الخلافات بين الجماهير؟

إذا وقعت إساءة في مقابلة معينة، فيجب تحديدها ومعالجتها وفق القواعد المعمول بها. أما إطلاق حكم شامل على تجربة امتدت نحو سبع سنوات، دون تمييز بين محتواها المسؤول وأي تجاوزات فردية قد تقع خلالها، فلا يحقق الإنصاف.

كما أن هذه اللقاءات قد توفر مساحة للتعبير عن الحماس والانفعالات الرياضية في إطار من الحوار والتفاعل، لكن القول إنها السبب المباشر في تراجع الشغب الجماهيري يحتاج إلى بيانات ودراسة تأخذ في الاعتبار مختلف العوامل المؤثرة.

والإنصاف يقتضي هنا أمرين: ألا ننسب إلى المقابلات إنجازات لم تثبتها الأدلة، وألا نتجاهل في المقابل ما أتاحته من فرص للتعارف والتواصل بين جماهير الأندية.

فهل نختزل سبع سنوات من التعارف والحوارات والمناكفات الرياضية في كلمة «فتنة»، دون تحديد الوقائع والأدلة؟ أم نقيّم التجربة بإنصاف، ونحافظ على إيجابياتها، ونعالج أخطاءها إن ثبتت؟

جفرا نيوز وصوت المدرجات… الإعلام قريب من الناس

في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى دور جفرا نيوز في نقل الأحداث الجماهيرية وإيصال صوت المشجعين إلى الرأي العام، وتسليط الضوء على أجواء المدرجات وتفاعلات الجماهير.

إن قيمة الإعلام لا تقتصر على نقل الخبر، بل تشمل أيضًا نقل نبض الشارع الرياضي، وإتاحة مساحة للتعبير عن الآراء المختلفة، وتعريف الجمهور بما يدور في محيط المباريات بعيدًا عن الصورة الرسمية وحدها.

ومن الإنصاف النظر إلى هذه التجربة من جوانبها المختلفة، فلا تُختزل في الأخطاء التي قد تقع خلالها، ولا تُعفى في الوقت نفسه من النقد والتقييم والتطوير.

فالحياد الإعلامي التام يقتضي عدم الانحياز إلى نادٍ أو مجموعة أو طرف، ونقل الوقائع بأمانة، واحترام حق الجميع في التعبير والرد، وتطبيق المعايير المهنية على مختلف الأطراف.

والإنصاف لا يعني الانحياز للجماهير على حساب الحقيقة، كما أن الحياد لا يعني تجاهل صوتها. بل إن الإعلام المهني هو الذي يستمع للجميع، ويعرض الوقائع بموضوعية، ويمنح كل طرف حقه دون انتقائية.

ومن هنا، فإن الحفاظ على المساحات الإعلامية التي تنقل صوت المدرجات، مع تطوير أدائها والارتقاء بمستواها، يستحق الاهتمام والنقاش بدلًا من اختزال الحل في إبعاد الشباب عن الميدان.

المناكفة الرياضية ليست إساءة… والمخطئ يتحمل المسؤولية

يعرف الشارع الرياضي الأردني أن المناكفة بين جماهير الأندية جزء من أجواء المنافسة، وأن بعض التعليقات العفوية تضفي على اللقاءات طابعًا جماهيريًا محببًا، ما دامت لا تتجاوز حدود الاحترام.

لكن هناك فرقًا واضحًا بين مناكفة أدبية تقوم على الدعابة والروح الرياضية، وبين السب والشتم والتشهير والتحريض والمساس بكرامة الأشخاص وخصوصيتهم.

فليس كل تعليق ساخر إساءة، وليس كل اختلاف في الرأي مخالفة، كما أن الانتماء الرياضي لا يمنح أحدًا حصانة من المساءلة.

وهنا تحضر المقولة المتداولة: «من أمن العقوبة أساء الأدب». لكن تطبيق العدالة لا يعني التوسع في العقاب أو التعميم على الجميع، بل يعني تحديد المخالفة، والتحقق منها، واتخاذ الإجراء المناسب وفق القواعد القانونية والمهنية المعمول بها.

إذا أخطأ شخص، يُحاسب على خطئه. وإذا احتاج إلى التدريب، يُوجَّه ويُمنح فرصة للتطوير. وإذا التزم بالمعايير، فمن حقه أن يعمل ويواصل بناء خبرته.

نحن لا ندافع عن الخطأ، بل ندافع عن حق الملتزم في ألا يتحمل مسؤولية خطأ غيره.

ضبط الإعلام أم إقصاء الشباب؟

لا أحد يعترض على تنظيم المقابلات الجماهيرية، ولا أحد يطالب بترك الميدان بلا ضوابط. لكن السؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة التنظيم المقترح، ومعاييره، وآثاره على الشباب الذين لا يمتلكون مؤسسات كبيرة أو إمكانات مالية واسعة.

فمن حق الجهات المختصة وضع القواعد اللازمة لحماية النظام العام وحقوق الأفراد وسلامة الفعاليات، ومن واجب الممارسين احترام القانون وأخلاقيات العمل الإعلامي.

لكن من الضروري أن تكون الضوابط واضحة ومعلنة ومتناسبة مع طبيعة العمل، وأن تُطبّق على الجميع دون تمييز بين صاحب مؤسسة إعلامية وشاب يعمل بإمكاناته الشخصية.

فإذا كان الهدف رفع مستوى المقابلات، فهناك وسائل عملية لذلك، تبدأ بالتدريب والتوجيه وتحديد معايير المقابلة المقبولة، وتصل إلى المساءلة عند ثبوت المخالفة.

أما إذا أدت شروط التنظيم إلى حرمان الشباب من العمل الميداني دون ضرورة واضحة، فإن من حق المجتمع أن يناقش جدواها وآثارها.

فالخبرة تستحق الاحترام، لكنها لا تمنح صاحبها حق احتكار الميدان. والشباب لا يستحقون امتيازات خاصة، لكنهم يستحقون فرصًا عادلة للتعلم والمنافسة.

نريد تنظيمًا يفتح الأبواب أمام الملتزمين، لا ضوابط تجعل دخول الميدان حكرًا على من يمتلك مؤسسة أو إمكانات أكبر.

من يطالب بضبط الإعلام… هل تُطبَّق المعايير على الجميع؟

يحق لأي إعلامي أن يطالب بتطوير المهنة وضبط الممارسات التي يراها مخالفة، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يسأل عن اتساق هذه المطالب مع مختلف أشكال العمل الإعلامي.

فقد يجمع بعض الأشخاص بين العمل في مؤسسات إعلامية رسمية، والتعاون مع جهات من القطاع الخاص، والنشر الإخباري عبر صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهذا التعدد لا يُعد مخالفة بحد ذاته؛ إذ يتوقف الحكم على طبيعة العمل، والأنظمة والتعليمات المنظمة للوظيفة، وأي قيود تتعلق بالعمل الإضافي أو تعارض المصالح أو استخدام الموارد والمعلومات الرسمية.

لكن المبدأ الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن القواعد المهنية والوظيفية يجب أن تُطبّق على الجميع بحسب طبيعة أعمالهم والتزاماتهم، دون انتقائية أو ازدواجية.

فلا يجوز اتهام شخص بمخالفة لمجرد أنه يعمل في أكثر من مجال، كما لا يجوز استثناء أي شخص من التعليمات التي يخضع لها بحكم وظيفته.

وإذا ظهرت حالة تستدعي التحقق من تعارض المصالح، فإن معالجتها يجب أن تتم من خلال الإجراءات المؤسسية المختصة، لا عبر الاتهامات أو الأحكام المسبقة.

إن المصلحة العامة تقتضي أن يكون معيار التقييم هو السلوك والالتزام، لا المسمى الوظيفي أو حجم المؤسسة أو طبيعة العلاقات المهنية.

كما أن أي دعوة إلى التنظيم تستحق أن تُناقش بناءً على نتائجها العملية: هل ترفع مستوى الأداء وتحمي الحقوق؟ أم تخلق حواجز غير ضرورية أمام بعض الممارسين؟

هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها تكون بالشفافية والمعايير الواضحة، لا بالتشكيك في النوايا.

المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة

إن تطوير الإعلام مسؤولية مشتركة، لكنه يتطلب الفصل بين المصلحة العامة وأي مصالح خاصة قد تتأثر بالمنافسة أو بتغيّر طبيعة العمل الإعلامي.

ولا يجوز أن ننسب نية الإقصاء إلى شخص بعينه دون دليل، لكن من المشروع تقييم المقترحات وفق أهدافها ونتائجها، والتأكد من أنها تخدم تطوير المهنة وتكافؤ الفرص.

فالإعلام يتطور عندما تتنافس المبادرات على تقديم محتوى أفضل، وعندما تنتقل الخبرات من جيل إلى آخر، وعندما يجد الشباب طريقًا واضحًا للتعلم والتقدم.

أما تحويل التنظيم إلى شروط غير متناسبة مع طبيعة العمل، أو إلى عوائق لا تستند إلى حاجة مهنية واضحة، فقد يؤدي إلى إضعاف التنوع في المشهد الإعلامي بدلًا من تطويره.

ومن هنا، فإن المطلوب هو تنظيم يقوم على المهنية والشفافية، ويمنع التجاوزات، ويمنح كل ملتزم فرصة عادلة، ويحافظ على حق الجمهور في أن يسمع صوته.

إلى الجهات المعنية: طوّروا التجربة ولا تُقصوا أصحابها

رسالتنا إلى الجهات المعنية بالإعلام والرياضة وتنظيم الفعاليات واضحة: نريد ضوابط تحمي الجماهير وتصون كرامة الإنسان، وترفع مستوى الأداء، وتضمن تطبيق القانون على الجميع.

وندعو إلى دراسة تجربة المقابلات الجماهيرية خلال السنوات الماضية، والاستماع إلى الممارسين والمؤسسات الإعلامية والرياضية، وتحديد نقاط القوة والخلل، ووضع آليات عملية للتدريب والتوجيه والمساءلة عند الحاجة.

كما ندعو إلى إعلان المعايير المطلوبة بوضوح، بحيث يعرف كل شاب ما الذي يُسمح به وما الذي يُمنع، وكيف يستطيع تطوير عمله والالتزام بالقواعد.

إن التنظيم الناجح لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يُمنعون من العمل، بل بقدرته على تقليل المخالفات، ورفع جودة المحتوى، وحماية الحقوق، وتوسيع قاعدة الممارسين المؤهلين.

فلا تجعلوا أخطاء البعض سببًا في التضييق على الجميع، ولا تجعلوا حداثة التجربة عائقًا أمام من يريد التعلم والعمل بمهنية.

الأردن يجمعنا… والمدرجات ليست جزرًا منفصلة

إن جماهير الفيصلي والوحدات والرمثا والحسين إربد وسائر الأندية الأردنية جزء من نسيج وطني واحد. قد تختلف ألوانها وهتافاتها وانتماءاتها الرياضية، لكنها تلتقي في مساحة وطنية أكبر من نتيجة مباراة.

والمقابلات الجماهيرية، حين تُمارس بمهنية واحترام، تستطيع أن تتيح مساحة للتعارف وتبادل الآراء، وأن تذكّر الجميع بأن المنافسة داخل الملعب لا تستلزم الخصومة خارجه.

لقد أصبح بعض المشجعين يتعرفون إلى أشخاص من أندية أخرى، ويتبادلون الحديث والمزاح، وقد يجلسون معًا بعد المباريات رغم اختلاف انتماءاتهم. وهذه الروابط الإنسانية تستحق التشجيع، مع عدم المبالغة في نسبة أي تراجع في الشغب إلى سبب واحد دون دليل.

فالوطنية ليست حكرًا على إعلامي أو مؤسسة أو نادٍ، ولا يملك أحد حق احتكار الحديث باسم الأردن أو التشكيك في انتماء الآخرين بسبب اختلاف أساليبهم أو إمكاناتهم.

الخاتمة: الميكروفون ليس ملكًا لأحد

بعد نحو سبع سنوات من تجربة المقابلات الجماهيرية، فإن المطلوب ليس تقديس التجربة ولا إلغاءها، بل تقييمها بإنصاف، والحفاظ على إيجابياتها، ومعالجة أخطائها إن ثبتت.

نريد إعلامًا مسؤولًا لا يسيء إلى الناس، ومقابلات تحترم الجماهير، وممارسين يعرفون حدود مسؤولياتهم، وضوابط واضحة تُطبّق على الجميع دون استثناء.

نريد أن يبقى الميكروفون مساحة للحوار، لا وسيلة للتشهير؛ وأن يكون التنظيم ضمانة للمهنية، لا حاجزًا أمام الشباب؛ وأن تبقى المنافسة الرياضية بابًا للتعارف والتقارب، لا ذريعة للإقصاء.

إلى الجهات المعنية: نظّموا الممارسة، وطوّروا التجربة، وحاسبوا من تثبت مخالفته، وأنصفوا الملتزم. وإلى أصحاب الخبرة: إن مستقبل الإعلام لا يقوم على إبعاد الجيل الجديد، بل على نقل المعرفة وفتح المجال أمام المواهب القادرة على التطور.

وإلى كل من يطالب بضبط المقابلات الجماهيرية، نقول: حدّدوا المخالفات، أعلنوا المعايير، وطبّقوا القواعد على الجميع. أما التعميم على تجربة كاملة دون تمييز بين الملتزم والمخالف، فلا يصنع إعلامًا أفضل.

الميكروفون ليس امتيازًا لجيل، والميدان ليس ملكًا لمؤسسة أو شخص، وصوت الجماهير ليس فتنة لمجرد أنه يعبّر عن رأيه.

نظّموا الإعلام ولا تُقصوا الشباب… فالأردن أكبر من الجميع.

عبدالرحمن الأمعري
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير