جفرا نيوز -
بقلم: حمزه أبو صلاح
ليست كل «نعم» دليلًا على التعاون، وليست كل «لا» دليلًا على الرفض. أحيانًا، تكون «لا» الموقف الأكثر وعيًا ومسؤولية.
على صعيد الشركات وبيئة العمل
على الشركات أن تنظر إلى الموظف الذي يقول «لا» من منظور إيجابي، لا سلبي؛ فليس كل رفض دليلًا على ضعف الالتزام أو قلة التعاون، بل قد يكون تعبيرًا عن الوعي بالمسؤوليات، والحرص على مصلحة المؤسسة، والرغبة في الحفاظ على جودة العمل واستدامته.
الموظف الذي يعرف متى يقول «لا» يدرك حدود مسؤولياته وقدراته، ويحرص على إنجاز مهامه بكفاءة، ولا يقبل تحميله أعباء إضافية تفوق طاقته على حساب جودة النتائج أو حقوقه المهنية والشخصية.
وعلى المديرين أن يتوقفوا عن الاعتماد الدائم على الموظف الذي لا يقول «لا»، فالموافقة المستمرة لا تعني بالضرورة الرضا أو الكفاءة، وقد تكون نتيجة لضغوط إدارية أو خوف من ردود الفعل. إن الإدارة الناجحة لا تقيس ولاء الموظف بمدى استعداده لقبول كل مهمة، بل بقدرته على الإنجاز، وتحمل المسؤولية، والتعبير عن رأيه بمهنية ووضوح.
تعلّم أن تقول «لا» عندما يكون الرفض مبررًا، وأن تقول «نعم» لما يحقق المصلحة والأولوية.
- لا للمهام التي تتجاوز القدرة الاستيعابية، ونعم للتوزيع العادل للأعباء.
- لا لتكليف الموظف بمهام متراكمة دون إعادة ترتيب الأولويات، ونعم للتخطيط والتنظيم.
- لا للاستنزاف المستمر تحت مسمى الالتزام، ونعم لبيئة عمل تحترم الجهد والوقت.
- لا لتجاوز الحقوق المهنية والشخصية، ونعم للمسؤولية المتبادلة والعدالة.
- لا للقبول بقرارات غير منطقية لمجرد إرضاء الآخرين، ونعم للحوار المهني القائم على الأدلة والمصلحة العامة.
إن فهم دوافع الموظف وسلوكه جزء أساسي من المسؤولية الإدارية. فالمؤسسات الناجحة لا تستنزف موظفيها حتى آخر طاقتهم، بل تستثمر قدراتهم، وتحترم حدودهم، وتوازن بين متطلبات العمل وحقوق العاملين.
على صعيد الحياة الاجتماعية
في حياتنا الاجتماعية، لا تقل أهمية القدرة على قول «لا» عن أهميتها في بيئة العمل. فكثيرًا ما نقبل أمورًا لا نرغب فيها، أو نتحمل مسؤوليات لا تخصنا، أو نتنازل عن راحتنا ووقتنا خوفًا من إزعاج الآخرين أو خسارة رضاهم.
لكن الحقيقة أن إرضاء الجميع غاية لا يمكن تحقيقها، وأن الموافقة الدائمة قد تجعل الآخرين يعتادون على حساباتنا ووقتنا وجهدنا، وكأنها حقوق مكتسبة لهم وليست اختيارات نقدمها بإرادتنا.
إن قول «لا» لا يعني الأنانية، ولا يدل بالضرورة على قلة المحبة أو ضعف العلاقات، بل قد يكون تعبيرًا عن احترام الذات، ووضع حدود صحية، والحفاظ على علاقات تقوم على التقدير المتبادل لا على الاستغلال أو الشعور بالذنب.
تعلّم أن تقول «لا» عندما:
- لا تستطيع تلبية طلب دون الإضرار بالتزاماتك، ونعم للمساعدة عندما تكون قادرًا عليها.
- لا ترغب في تدخل الآخرين في خصوصياتك، ونعم للعلاقات التي تحترم حدودك.
- لا تقبل أن تتحول طيبتك إلى التزام دائم تجاه الجميع، ونعم للعطاء الذي ينبع من رغبتك لا من شعورك بالإجبار.
- لا تسمح للآخرين باستنزاف وقتك وطاقتك، ونعم لمنح نفسك حق الراحة والاهتمام.
- لا توافق على أمر يخالف قناعاتك ومبادئك لمجرد إرضاء الآخرين، ونعم للوضوح والصدق والاحترام.
وتذكّر أن الشخص الذي يقدّرك حقًا قد يختلف معك، لكنه سيحترم حقك في الرفض. أما العلاقة التي لا تستمر إلا بموافقتك الدائمة وتنازلك المستمر، فهي علاقة تحتاج إلى مراجعة حدودها وتوازنها.
الخلاصة
إن كل سلوك إنساني وراءه دوافع وحوافز، وفهم هذه الدوافع يساعدنا على بناء علاقات أكثر وعيًا ونضجًا، سواء في العمل أو في الحياة الاجتماعية.
تذكّر أن قول «لا» في الوقت المناسب ليس رفضًا للآخرين، بل قد يكون احترامًا لنفسك، وحماية لحقوقك، وحفاظًا على جودة ما تقدمه لهم.
فكما أن للالتزام حدودًا، فإن للقدرة طاقة، وللوقت قيمة، وللإنسان حقوقًا.
قال تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
النجاح الحقيقي ليس أن تقول «نعم» لكل شيء، بل أن تعرف متى تقول «نعم»، ومتى تقول «لا»، ولماذا، وكيف تفعل ذلك باحترام وثقة ومسؤولية.