جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته "مستشار سابق لوزير الطاقه والثروه المعدنيه / مستشار في صندوق الاوبك"
في تاريخ الدول، لا تُقاس القوة بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من يقين. والطاقة اليوم هي المرآة الأوضح لهذه الحقيقة: فبرميل النفط الواحد قد يحمل سعرين في اليوم نفسه، سعر الندرة الفعلية، وسعر الخوف من الندرة. والفرق بينهما ليس ظاهرة اقتصادية فحسب، بل كلفة سياسية تُدفع من دخول الناس.
الأسواق لا تقرأ الخرائط وحدها، بل تقرأ النوايا. وحين تتضارب التصريحات وتتبدل المواقف قبل أن يجف حبرها، لا يعود المتعاملون يسعّرون الإمدادات، بل يسعّرون الغموض. وهنا تتحول الكلمة إلى أداة تسعير، وتنتقل علاوة المخاطر من قاعة المؤتمر إلى الميناء، ثم المصنع، ثم رف المتجر، ثم فاتورة الأسرة. وفي نهاية السلسلة يقف مواطن عند محطة الوقود يقرأ السعر على اللوحة، ويحسب ما سيزيد على نقل أبنائه وكهربائه وغذائه. لم يشارك في القرار، لكنه يدفع ثمنه.
وفي هذا المشهد، لا تُقاس الدول بقدرتها على الانتفاع من ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، بل بقدرتها على أن تكون نقطة يقين في عالم مضطرب. فالممر الذي يعمل باتفاقيات واضحة وضمانات موثوقة وخطاب متسق يتحول من خط على الخريطة إلى أصل استراتيجي. وهذا ما يعنيه الأردن بالنسبة إلى المنطقة: موقع يستطيع، إذا أُحسن بناؤه، أن يحوّل الاضطراب إلى فرصة، عبر ممر العقبة–البصرة وشبكة ممرات تصل العراق والخليج بالبحر الأحمر والأسواق العالمية.
السؤال الحقيقي إذن ليس من يربح عندما ترتفع الأسعار، بل من يملك القدرة على تحويل الاضطراب إلى موقع، والموقع إلى قيمة.
أولًا: ثلاث سنوات تكشف حجم التغير
بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 81 دولارًا للبرميل في عام 2024، وانخفض إلى نحو 69 دولارًا في عام 2025، قبل أن تدفع اضطرابات الإمدادات في 2026 الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير. ووفق تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الصادر في 6 أكتوبر 2026، بلغ متوسط برنت 114 دولارًا للبرميل في سبتمبر، مع توقع أن يبلغ متوسط الربع الأخير من العام 105 دولارات، في ظل استمرار القيود على تدفقات النفط من الشرق الأوسط.
هذه الأرقام ليست حركة على شاشات التداول، بل كلفة المخاطر الجيوسياسية وهي تنتقل إلى الاقتصاد العالمي: نقل وإنتاج وتدفئة وكهرباء ومواد أولية، وضغط متزايد على الدول المستوردة للطاقة.
ثانيًا: حين تتحرك الأسواق بالكلمات
ليست كل زيادة في الأسعار انعكاسًا لنقص فعلي في الإمدادات. فجزء منها ثمن لعدم اليقين: هل سيُفتح الممر أم يُغلق؟ هل ستستمر القيود أم تُرفع؟ هل التصعيد المعلن جاد أم تفاوضي؟ وحين تتضارب التصريحات يعجز المتعاملون عن تسعير المخاطر بدقة، فيضيفون إلى الأسعار هامش احتياط، وترفع شركات التأمين والشحن كلفة العبور حتى قبل أن تتعطل أي ناقلة.
ومن الإنصاف القول إن السياسة ليست السبب الوحيد للتقلب، فللأسواق عوامل أخرى من الطلب العالمي والمخزونات وقرارات الإنتاج وتكاليف الاستخراج. لكن الوضوح والاتساق في الخطاب الرسمي من أرخص أدوات تهدئة الأسواق، وغيابهما من أغلى ما يدفعه المستهلك. والمطلوب ليس الصمت، بل الدقة والمسؤولية في ما يُقال.
ثالثًا: لماذا لا يعني ارتفاع الأسعار بالضرورة زيادة دخل الدولة المنتجة؟
المعادلة بسيطة: إيرادات التصدير = السعر المحقق × الكمية المصدَّرة. لكن تطبيقها يكشف فروقًا مهمة بين الدول.
فقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن إيرادات صادرات النفط والمنتجات النفطية الروسية ارتفعت في سبتمبر 2026 إلى نحو 17.67 مليار دولار، رغم انخفاض حجم الصادرات إلى نحو 6.52 مليون برميل يوميًا مقارنة بسبتمبر 2025. فقد عوّض ارتفاع الأسعار جزءًا من أثر انخفاض الكميات، لكن النتيجة قد تنعكس إذا انخفض السعر أو تعذر تصدير الكميات المطلوبة.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مؤشرات: قيمة الصادرات، والإيرادات الحكومية من الطاقة، وصافي الدخل بعد تكاليف الإنتاج والنقل والخصومات. فالخلط بينها يقود إلى استنتاجات غير دقيقة.
رابعًا: ماذا لو فُتحت الممرات وعادت الإمدادات؟
لنفترض أن مضيق هرمز أصبح آمنًا بصورة مستدامة، وعادت صادرات الخليج إلى التدفق الطبيعي، وأصبحت صادرات النفط والغاز الروسية أقدر على الوصول إلى الأسواق، واستمرت زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة وكندا وغيرها. عندها تتراجع علاوة المخاطر، وتنخفض كلفة التأمين والشحن، وتشتد المنافسة بين المنتجين.
لكن ذلك لا يضمن عودة الأسعار إلى مستويات منخفضة جدًا بصورة دائمة، فالسوق تتأثر أيضًا بالطلب والمخزونات وقرارات الإنتاج والاستثمارات الجديدة. والغاز يختلف عن النفط، إذ تحكم أسعاره البنية التحتية والعقود وقدرة محطات التسييل والاستقبال وتوافر السفن المتخصصة، فقد تنخفض في أوروبا دون أن تنخفض بالنسبة نفسها في آسيا.
والمستفيد الأوضح الدول المستوردة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند ومعظم الاقتصادات الأوروبية. أما المصدِّرة فتواجه معادلة مختلفة: قد تعوّض زيادة الكميات انخفاض الأسعار، وقد تتراجع إيراداتها إذا لم تتمكن من زيادة الصادرات. ومن المهم هنا عدم الخلط بين وجود مصالح اقتصادية تتأثر بتغير الأسعار وبين الادعاء بأن جهة معينة تتعمد منع استقرار المنطقة، فهذا يحتاج إلى أدلة محددة لا إلى مجرد تحليل للمصالح.
خامسًا: الأردن بين كلفة الاستيراد وفرصة الممرات
بالنسبة إلى الأردن، يخفف استقرار أسواق الطاقة وانخفاض أسعارها فاتورة الاستيراد، ويحسّن تنافسية الصناعة، ويقلل الضغوط على ميزان المدفوعات. لكن الفرصة الاستراتيجية أكبر من شراء الطاقة بسعر أقل. فالأردن يستطيع تعزيز موقعه بتطوير التخزين الاستراتيجي، وتنويع مصادر الغاز، وتوسيع الطاقة المتجددة والتخزين الكهربائي، وتحسين الربط الإقليمي، وبناء خدمات لوجستية وصناعية مرتبطة بالتجارة العابرة للحدود.
غير أن الممر لا يصبح أصلًا استراتيجيًا بإنشاء طريق أو خط أنابيب وحده. فهو يحتاج إلى دراسات جدوى قابلة للتمويل، واتفاقيات عبور طويلة الأجل، وضمانات أمنية، وشراكات استثمارية، ومرافق للتخزين والمناولة والصيانة، وصناعات تضيف قيمة محلية حقيقية. والممر الذي يحقق إيرادات من النقل والتخزين والتصنيع والخدمات أقدر على الاستمرار من مشروع يعتمد على رسوم عبور محدودة أو على ارتفاع أسعار النفط.
خاتمة: القيمة ليست في سعر البرميل وحده
إن مستقبل الطاقة لن تحدده وفرة الموارد وحدها، بل قدرة الدول على ضمان وصولها إلى الأسواق، وتحويلها إلى إنتاج وصناعة وتكنولوجيا وصادرات. وقد يكون العالم، إذا استقرت الممرات وتراجعت المخاطر، أمام فرصة لتخفيف التضخم وإعادة توزيع الاستثمارات الصناعية، لكن ذلك مرهون باستدامة الاستقرار وتوازن العرض والطلب، وقبل ذلك كله بوضوح الخطاب الذي يحكم توقعات الأسواق.
وبالنسبة إلى الأردن، فالرهان الاستراتيجي ليس على ارتفاع أسعار الطاقة أو انخفاضها، بل على بناء اقتصاد أقدر على تحمل الصدمات، والاستفادة من الممرات الإقليمية، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل وصادرات.
فالدول لا تصنع مستقبلها بما تملكه من موارد فقط، بل بما تستطيع بناءه حولها من بنية تحتية وصناعة ومعرفة وشراكات مستدامة. والمواطن الذي يقف عند محطة الوقود لا يطلب أكثر من أن تكون الكلمات التي تُقال في الأعلى بقدر المسؤولية التي تقع على كاهله في الأسفل