اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

نبيل صيتان عماري.. حارس الذاكرة الأردنية وراوي حكايات الزمن الجميل

الأحد-2026-10-18 09:42 am
جفرا نيوز -

حوار: عاطف أبو حجر

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه ملامح الحياة، تبقى الذاكرة الوطنية حصنًا يحفظ هوية الشعوب وتاريخها وتفاصيل أيامها الجميلة.

ومن بين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية صون هذه الذاكرة، يبرز الكاتب والباحث في التراث الأردني نبيل صيتان عماري، بوصفه واحدًا من المهتمين بتوثيق حكايات الماضي واستحضار ملامح الحياة الأردنية الأصيلة.

وُلد عماري عام 1960، وجمع في مسيرته بين خبرة عملية امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا في مؤسسة الضمان الاجتماعي، واهتمام ثقافي وأدبي اتخذ من التراث والزمن الجميل مجالًا للإبداع والبحث.

فلم تكن المحاسبة المالية، التي شكّلت جانبًا من حياته المهنية، بعيدة عن دقته في رصد التفاصيل وتوثيق الحكايات التي صنعت وجدان المجتمع الأردني.

ومن خلال مؤلفاته المتعددة، فتح نوافذ واسعة على ذاكرة القرى الأردنية، وأيام الناس البسيطة، وأصوات الفن التي تركت بصمتها في وجدان الأجيال.

وقد احتل الفنان الراحل توفيق النمري مكانة بارزة في مشروعه التوثيقي، إلى جانب اهتمامه بالأغنية الأردنية والطرب العربي وتجارب الزمن الجميل.

وأصدر عماري ستة كتب، من بينها «قريتنا الأردنية حتى لا ننسى»، و«غربال الذكريات»، و«توفيق النمري أيقونة الغناء الأردني»، و«فيروز صدى الذكريات».

كما شارك في إعداد برامج إذاعية وتلفزيونية ووثائقية، وتعاون مع مؤسسات إعلامية أردنية وعربية، مستندًا إلى شغفه بالتاريخ وحرصه على تقديم المعلومة الموثقة.

ويواصل حضوره الثقافي من خلال مقالاته شبه اليومية في صحيفة «الدستور» الأردنية، وعضويته في رابطة الكتاب الأردنيين واتحاد الكتاب العرب، واهتمامه بالشعر المحكي والتراث الشعبي.

في هذا الحوار، نقترب من تجربة نبيل عماري، لنتعرف إلى حكاياته مع الذاكرة الأردنية، ودوافعه للكتابة والتوثيق، ورؤيته لدور التراث في بناء الهوية وحفظ حكايات الأجيال.

س1: أستاذ نبيل، لكل كاتب حكاية أولى تشعل داخله شرارة الكتابة، ولكل باحث عن التراث لحظة يشعر فيها بأن الماضي يستحق أن يُروى من جديد. كيف بدأت علاقتكم بالتراث الأردني وذاكرة الزمن الجميل؟ وما الذي دفعكم إلى تحويل هذا الشغف إلى مشروع ثقافي وتوثيقي مستمر؟

ج1: نعم، الماضي يستحق أن يرى النور، وكذلك تراثنا الأردني الجميل.

فعندما أكتب، يفوح من قلمي رائحة ياسين أبيض مجبول بعطر الطين بعد أول شتوة، وتشدو أعشاش السنونو أغنيات لزمن جميل راقٍ، وقنديل كاز وضوء شمعة في ليالي أجبر ضوء الكهرباء أن ينام. أكتب عن الحقول ورائحة الفريكة، وعن سفوح العنب والتين، وعن ينابيع وجداول، وعن حصيدة وحصادين وأغانٍ بقيت بالبال، وعن حقول سماق ولوز في عجلون، وعن الزيتون، وعن حكم وأمثال، وعن قجتي الفخارية التي عبأتها بالتعاريف وكسرتها لأشتري بها كتبًا ومجلات.

عشت الفرح بساعة جميلة وبوط صيني، بصناعة طائرة ورقية حين تشتي الدنيا لأول مرة، حين تأتي العطلة الصيفية وفرح العيد وأواعي العيد. عشنا الفرح والسهر والبهجة وراحة البال، عشنا قلم الرصاص ودفاتر الحساب والطبيعة ورائحة المواسم وندى المقاثي وخيرات الأرض البعل بلا كيماوي. حتى الورقة التي نكتب عليها كانت أكثر رحابة، وكان الحب ورقة معطرة وقلم وشعر نزار قباني وأغنية عبد الحليم «فاتت جنبنا» تُرسل عبر الرمي لكي تلتقطها الحبيبة، أو يرسل هيامه عبر الأثير، فالورقة البيضاء أجمل اختراع.

عندما أكتب، أحاول أن أسترجع وقائع حياة عشناها، نتمنى أن ترجع بحلوها ومرها، والذي لم يكن قاسيًا مثل الحاضر. أكتب عن زمن الطيبة والنخوة والرضا والمحبة، حيث رغيفك الذي خبزته ليس لك، بل للجيران، فالحنين يجعلني أرى تلك الأيام جميلة ورحبة، فيها أُلفة ومحبة، وحارة تصحو كل فجر على بسمة وسجع بائعين ورائحة القهوة تنادي نساء الحارة لصبحية، وصوت راديو يناغي طيور الفجر بصوت محمد قنديل: «يا حلو صبح يا حلو طل»، بين الأزقة الترابية وبيوت الطين وغيوم ينفلت منها شعاع شمس بعد شتاء بارد، تسقط على شبابيك البيوت، تدخل القلوب لتدفئها، لتلمع أشجار الصنوبر ببريق الشمس، وأطفال يغنون «شمست شميسة»، وربيع ولوز أخضر وثم سمكة وقرنفل وعطرة ونسمة طرية تلامس أشجار السرو والكينا وتشاركها الحفيف، وصوت فريد الأطرش يغني الربيع وأول همسة، ورائحة سمك بيروتي مقلي، ولوحة بألوان جميلة من المازات والسلطات.

وصيف ينادي الحصادين وقمر الحصادين وخيرات متلاحقة، فكما كان الربيع مزركشًا بالأخضر والصيف بالذهبي، ذهبنا كان القمح الأردني الرائع، وخريفنا كان خريف المونة، برغل سليقة تطالي ووووو. هكذا كان زماننا، أحاول أن أست…

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير