جفرا نيوز -
د. أحمد زياد أبو غنيمة
حين يتصاعد الحديث اليوم في أوساطنا الثقافية والوطنية عن ضرورة صياغة "السردية الأردنية"، فإننا لا نتحدث عن ترفٍ فكري، بل عن واجبٍ وطني وأخلاقي لاستحضار جذور التأسيس والبناء. وفي قلب هذه السردية الوطنية الكبرى، تبرز "السردية الصيدلانية الأردنية" كواحدة من أنبل وأصدق الفصول التي كُتبت بعرق، وعلم، وانتماء الرعيل الأول من أبناء هذا الوطن.
إن توثيقي لتاريخ مهنة الصيدلة في الأردن لم يكن يوماً مجرد رصفٍ لتواريخ وأسماء؛ بل كان محاولةً دؤوبة لرسم "بورتريه" حيّ لمهنةٍ وُلدت مع ولادة الدولة.
أغمضُ عيني اليوم، فتعود بي الذاكرة إلى بدايات التأسيس، حيث شهدت العاصمة عمان عام ١٩٢٣ ولادة أول صيدلية على يد الصيدلي عبد الرحيم جردانة، لتكرّ بعدها مسبحة الريادة وتتوسع رقعة الشفاء. ففي عام ١٩٢٤، تنفست مدينة السلط عبق الخدمة الصيدلانية بافتتاح صيدلية الصيدلي نجيب قبيسي، ولحقها في عام ١٩٢٦ تأسيس ثاني صيدلية في عمان "صيدلية الإمارة" للصيدلي أمين قعوار، ذلك العقل الفذ الذي اكتشف الفوسفات الأردني فيما بعد، ليثبت أن الصيدلاني باحث ومكتشف بطبعه.
وفي عروس الشمال، إربد، أضاء الصيدلي عمر فائق الشلبي قنديل مهنتنا بافتتاح أول صيدلية فيها عام ١٩٢٧، قبل أن تعود عمان لتشهد ميلاد صيدليتها الثالثة "صيدلية الصباغ" عام ١٩٣٨ على يد الصيدلي سليم الصباغ ( صيدلي القصر الملكي لعقود).
وفي مدينة السلط الأبية مجدداً، تجدد العهد مع بدايات الخمسينيات حين برز اسم الصيدلي تيسير الحمصي كواحد من أوائل الصيادلة الذين افتتحوا صيدلية فيها، ليؤسس لمرحلة جديدة من العطاء.
لم يتوقف طموح الرعيل الأول عند حدود الصيدلية كمنفذ لتركيب وصرف الدواء، بل امتد لترسيخ بنية تحتية وطنية متينة لقطاع الدواء. ففي عقد الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت تتشكل ملامح قطاع استيراد وتوزيع الأدوية المنظم؛ ففي عام ١٩٥١، أرسى الصيدلي راضي الشخشير دعائم "مستودع أدوية الشرق". ولم تلبث تلك الحقبة الذهبية أن شهدت تأسيس صروح دوائية عريقة عززت من الأمن الدوائي الوطني، فتأسس "مستودع أدوية خوري" على يد الرائد جورج خوري، كما برز مستودع أدوية "شاوي وارشيدات ومسنات" بجهود الرائد نعمان ارشيدات وشركائه، لتشكل هذه المستودعات مجتمعة النواة الصلبة لتوفير الدواء الحديث للمواطن.
وتوّجت هذه الجهود لاحقاً بحلم الصناعة الدوائية الوطنية الذي تحول إلى حقيقة راسخة بفضل رؤية قامات وطنية فذة. وهنا لا بد أن نستذكر تضافر جهود الرواد الأوائل؛ الصيدلي تيسير الحمصي، وأمين شقير، وراضي الشخشير، وأنيس المعشر وحمدي الساكت، الذين أسسوا معاً أول صرح دوائي أردني. ففي عام ١٩٦٢، وُضع حجر الأساس لأول مصنع دوائي، لتبصر "الشركة العربية لصناعة الأدوية" النور عام ١٩٦٦، وتدشن عصراً جديداً من الاعتماد على الذات.
ولم تقف مسيرة البناء عند هذا الحد، بل تواصلت بهمة رجالٍ أدركوا قيمة الأمن الدوائي، ففي عام ١٩٧٥، حمل الراية كل من نزار جردانة ومحمد الفتياني ليؤسسا "شركة دار الدواء"، رافدين الاقتصاد الوطني بصرح صناعي جديد. وما هي إلا عامان حتى جاء عام ١٩٧٧، ليضع سميح دروزة حجر الأساس لـ "شركة أدوية الحكمة"، والتي لم تكتفِ بتلبية احتياجات السوق المحلي، بل حلّقت بعدها بعقود نحو العالمية، لتضع اسم الأردن بكل فخر على خارطة كبرى أسواق الدواء العالمية.
وحين نستحضر السردية المؤسسية والنقابية، نقف إجلالاً لروادها الذين صاغوا التشريعات وضبطوا إيقاع المهنة؛ فالصيدلي أمين شقير كان أول من تسلم دفة قيادة نقابة الصيادلة كنقيب، وأكمل المسيرة من بعده قامات وطنية كان من أبرزهم الصيدلي تيسير الحمصي الذي تتويجاً لعطائه تبوأ موقع نقيب الصيادلة؛ الذي شغله ايضاً النقباء عبد الرحيم ونزار جردانة وغالب صباريني وعبدالرحيم عيسى وحسام الدين مسمار وطاهر الشخشير وفضل نيروخ واحمد عيسى ومحمد عبابنة وآخرهم زيد الكيلاني ، بينما سطر الصيدلي سميح الأدهم اسمه كأول صيدلي مسجل في سجلات هذه النقابة العريقة. ولم تقتصر ريادة الصيادلة على الشأن المحلي، بل حلقت عربياً حين أصبح الصيدلي طاهر الشخشير أول أردني يتبوأ موقع رئيس اتحاد الصيادلة العرب.
ولأن الصيدلاني الأردني كان دائماً في قلب الحدث الوطني، فقد حفرت المهنة اسمها في سجلات التشريع والإدارة العليا؛ فكان الصيدلي ثروت التهلوني أول صيدلاني يدخل قبة البرلمان وأول وزير صيدلاني في حكومة أردنية في خمسينيات القرن الماضي. كما برز الصيدلي عبد الرحيم معايعة كأول صيدلاني يتولى موقع النائب الأول لرئيس مجلس النواب الأردني. ولتصل هذه المسيرة السياسية الرائدة إلى ذروتها، تبوأ دولة الصيدلي عبد الرؤوف الروابدة سدة المسؤولية، مسجلاً سابقة تاريخية لمهنتنا كأول صيدلاني يشغل منصب رئيس الوزراء، وأول صيدلاني يرأس مجلس الأعيان.
وفي رحاب الأكاديميا والإدارة الصحية العليا، استمرت السردية في تقديم خيرة الأبناء والبنات؛ فتصدر الأستاذ الدكتور علي القيسي المشهد كأول صيدلاني يرأس جامعة أردنية، وتبعته الأستاذة الدكتورة إيمان البشيتي كأول صيدلانية تتولى رئاسة جامعة. وفي سياق حماية الأمن الدوائي والغذائي للوطن، تولى الأستاذ الدكتور نزار مهيدات، وتلته الأستاذة الدكتورة رنا عبيدات، دفة القيادة كأول صيدلاني وأول صيدلانية على التوالي في موقع المدير العام للمؤسسة العامة للغذاء والدواء.
ومن موقعي كشاهدٍ وموثقٍ لهذه السردية عبر السنين، كان لزاماً أن يكون لهذا الإرث منبرٌ يحميه ويطوره، فجاء تأسيس "مجلة علوم الصيدلة" كأول مجلة صيدلانية متخصصة للقطاع الصيدلاني الأردني، لتكون المنصة التي تجمع شتات هذا الإبداع، وتوثق حاضر المهنة لمستقبلها.
إن السردية الصيدلانية الأردنية، كما أقرأها وأكتبها اليوم، هي رسالة أضعها بين يدي الأجيال الشابة من الزميلات والزملاء. هي تذكيرٌ بأن "البالطو الأبيض" الذي ترتدونه، قد حِيكت خيوطه الأولى بصبر وجهد أجدادكم من صيادلة الرعيل الأول. إنها دعوة للتمسك بـ "روح" المهنة وأخلاقياتها العالية؛ فالصيدلة في الأردن لم تكن يوماً تجارة أرقام، بل هي "رسالة شفاء" وعلم، وجزءٌ لا يتجزأ من سردية وطنٍ بُني على أكتاف المخلصين من أبنائه.