جفرا نيوز -
خالد مفلح البداوي
لم يعد الوصول إلى الآخرين يحتاج إلى موعد أو سفر أو حتى مكالمة هاتفية؛ رسالة قصيرة تكفي لفتح باب الحديث، وصورة واحدة قد تمنحنا انطباعًا بأننا نعرف تفاصيل حياة صاحبها، وإعجاب عابر قد يوحي باهتمام لا نعرف إن كان حقيقيًا أم مجرد نقرة اعتادها صاحبها. لقد أصبح التواصل أسهل من أي وقت مضى، لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: هل أصبحنا فعلًا أقرب إلى بعضنا، أم أننا أتقنّا صناعة شعور مؤقت بأننا لسنا وحدنا؟
في عالم مزدحم بالحسابات والمتابعين، بات من السهل أن يبدو الإنسان محاطًا بالآخرين، حتى وهو يقضي أيامه دون حوار صادق أو علاقة تمنحه شعورًا بالأمان. قد يتلقى عشرات التعليقات، ويشارك تفاصيل يومه مع مئات الأشخاص، لكنه حين يمر بظرف صعب لا يجد من يستطيع أن يتحدث إليه دون تردد، أو من يسمعه دون أن يحوّل معاناته إلى نصيحة سريعة أو حكم جاهز.
وهنا تظهر المفارقة؛ فالتواصل الرقمي يمنحنا فرصة الظهور، لكنه لا يضمن أن نكون مفهومين. قد يعرف الآخرون أين ذهبنا، وماذا أكلنا، وما الذي أعجبنا، لكنهم لا يعرفون بالضرورة ما الذي يقلقنا، وما الذي نخشى الاعتراف به، وما الذي نحتاج إليه حين تضيق بنا الحياة. فمعرفة تفاصيل حياة الإنسان ليست هي نفسها معرفة الإنسان.
لكن هل يعني ذلك أن وسائل التواصل فشلت في تقريب الناس؟ ليس بالضرورة. فقد أعادت وصل عائلات فرّقتها المسافات، وفتحت أبواب الصداقة وتبادل المعرفة، ومنحت كثيرين فرصة العثور على أشخاص يشاركونهم الاهتمامات والتجارب. وقد تكون علاقة صادقة بدأت برسالة إلكترونية أكثر عمقًا من علاقة قديمة لا يجمع أصحابها سوى المجاملة والاعتياد.
إذن، ليست المشكلة في الوسيلة وحدها، بل في المعيار الذي نقيس به علاقاتنا. حين نعتبر كثرة المتابعين دليلًا على المكانة، وعدد الإعجابات دليلًا على المحبة، وسرعة الرد دليلًا على الوفاء، نكون قد اختزلنا العلاقات الإنسانية في مؤشرات لا تستطيع وحدها أن تكشف حقيقة المشاعر. فالاهتمام لا يُقاس دائمًا بما يظهر على الشاشة، والغياب عن العالم الافتراضي لا يعني بالضرورة الغياب عن حياة الآخرين.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية؛ فقد أصبح بعض الناس يعرضون من حياتهم ما يرغبون في أن يراه الآخرون، لا ما يعيشونه فعلًا. صور الفرح لا تكشف دائمًا ما يرافقه من تعب، والمنشورات الواثقة لا تعني أن صاحبها لا يعرف القلق، وكثرة الظهور لا تثبت أن الإنسان يشعر بالرضا. ومع تكرار المقارنة بين حياتنا اليومية بما فيها من تفاصيل عادية، وبين الصور المنتقاة من حياة الآخرين، قد نشعر بأن الجميع يعيشون بصورة أفضل منا، بينما نقارن واقعنا الكامل بلحظات اختار غيرنا أن يعرضها.
والأخطر أن تتحول هذه المساحة إلى بديل عن العلاقات بدل أن تكون وسيلة لتعزيزها؛ فنؤجل زيارة شخص نعرف أنه يحتاج إلينا، مكتفين برسالة، ونظن أن تفاعلنا مع منشور حزين يعادل السؤال عن صاحبه، ونشارك في نقاشات طويلة حول قضايا عامة، بينما نعجز أحيانًا عن فتح حوار صادق مع أقرب الناس إلينا. عندها لا تكون المشكلة في قلة التواصل، بل في الخلط بين التواصل والحضور، وبين معرفة أخبار الناس والوقوف معهم حين يحتاجون إلينا.
لسنا مطالبين بمقاطعة وسائل التواصل أو التعامل معها بوصفها خطرًا دائمًا، وإنما نحن بحاجة إلى استعادة التوازن بين العالم الافتراضي والحياة التي نعيشها فعلًا. أن نستخدم التقنية لتقريب المسافات، لا لتأجيل اللقاءات، وأن نمنح من يحدثنا اهتمامًا حقيقيًا، وأن نتذكر أن السؤال الصادق عن إنسان قد تكون له قيمة أكبر من عشرات التفاعلات العابرة.
إن قيمة العلاقات لا تظهر في الأوقات التي تكون فيها الحياة سهلة، بل في قدرتها على الصمود حين تتغير الظروف، وفي المساحة التي تمنحها للإنسان كي يتحدث دون خوف من السخرية أو التقليل من شأنه. فالعلاقة الحقيقية ليست تلك التي تضمن لنا حضورًا دائمًا على الشاشة، بل التي تجعلنا نشعر بأننا نستطيع أن نكون على حقيقتنا، دون تصنّع أو حاجة إلى إثبات أننا سعداء طوال الوقت.
ربما لم تعد المشكلة في عدد الأشخاص الذين نستطيع التواصل معهم، بل في عدد الذين نستطيع أن نكون أمامهم على حقيقتنا، دون أن نضطر إلى تزيين حياتنا أو إخفاء وجعنا. فهل صنعت وسائل التواصل مجتمعًا أكثر ترابطًا، أم جعلتنا أكثر قدرة على إخفاء وحدتنا خلف شاشات مزدحمة