اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

لا تحاكموا الصيدلاني بمعزل عن واقع المنظومة الصحية

الثلاثاء-2026-10-13 12:15 pm
جفرا نيوز -
بقلم: د. عبدالحميد عليمات

يزداد الحديث اليوم عن المضادات الحيوية ومقاومة مضادات الميكروبات لكن هذا الموضوع لا يعد شأنًا دوائيًا فقط ، بل هو قضية تتصل بسلامة الإنسان، وكفاءة المنظومة الصحية، والأمن الدوائي الوطني ،و أن معالجة هذه القضية تتطلب مقاربة تتجاوز التعليمات الرقابية والإجراءات العقابية، لتصل إلى جذور المشكلة، وتوازن بين المسؤولية المهنية للصيدلاني، وحق المواطن في الحصول على الرعاية الصحية، ومسؤولية المؤسسات في توفيرها.

في قلب هذه المعادلة يقف الصيدلاني، أحد أهم أعمدة الفريق الصحي، وصاحب الاختصاص العلمي في الدواء وسلامة استخدامه، فهو ليس مجرد شخص يصرف الدواء، ولا حلقة تنفيذية في نهاية المسار العلاجي، بل خبير دوائي وشريك في حماية المريض، يمتلك المعرفة التي تمكّنه من مراجعة الوصفات الطبية من الناحية الدوائية، والتحقق من الجرعات والتداخلات وموانع الاستخدام، وتوعية المرضى بمخاطر العلاج غير المناسب.

ومن خلال انتشار صيدليات المجتمع وقرب الصيدلاني من المواطنين، فإن الصيدلاني هو أحد أكثر أعضاء الفريق الصحي حضورًا في الحياة اليومية للناس ، يلجأ إليه المواطن للاستفسار عن دوائه، وطلب المشورة، وفهم أعراضه، وهو ما يجعل دوره يتجاوز صرف العلاج إلى التثقيف الصحي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتوجيه المريض إلى الرعاية الطبية المناسبة.

لكن المفارقة أن الصيدلاني يطالب بتحمل مسؤولية كبيرة في حماية المريض، في الوقت الذي لا يحظى فيه دوره دائمًا بالمكانة التي يستحقها في صناعة القرار الصحي ، وهنا تبرز مسؤولية صانع القرار في الانتقال من الاعتراف النظري بأهمية الصيدلاني إلى إشراكه فعليًا في وضع السياسات الصحية وتطوير البرامج الوطنية، واحترام اختصاصه بوصفه عنصرًا أصيلًا في الفريق العلاجي.

إننا عندما نناقش صرف بعض الصيادلة للمضادات الحيوية دون وصفة طبية، ينبغي أن نكون واضحين بأننا لا ندافع عن الصرف العشوائي، ولا نقلل من خطورة مقاومة مضادات الميكروبات، ولا نبرر مخالفة التشريعات الناظمة لصرف الدواء ،فالاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية قد يضر المريض، ويسهم في زيادة مقاومة البكتيريا للعلاج، ويهدد فعالية أدوية نحتاج إليها اليوم وغدًا.

لكنني أرفض، في المقابل، اختزال هذه القضية في سلوك أي صيدلاني وحده، أو التعامل معها باعتبارها مخالفة منفصلة عن واقع اجتماعي واقتصادي وصحي أوسع ،ففي كثير من المناطق الأقل حظًا، يواجه المواطن صعوبات حقيقية في الوصول إلى الطبيب، وقد تشكل كلفة الكشف الطبي عبئًا لا يستطيع تحمله، خصوصًا في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع النفقات الأساسية. وقد يجد هذا المواطن نفسه أمام الصيدلاني، لا لأنه يرفض التشخيص الطبي، بل لأنه يبحث عن مساعدة يستطيع الوصول إليها في ظل الخيارات المحدودة المتاحة أمامه ،وهنا يجد الصيدلاني نفسه أمام واقع معقد، فهو ملتزم بمسؤوليته المهنية والتشريعات الناظمة للصرف، وفي الوقت ذاته يتعامل مع إنسان يطلب المساعدة، وقد تكون قدرته على الوصول إلى الخدمات الصحية محدودة ، إن فهم هذه المعادلة لا يعني تبرير الصرف غير الرشيد، بل يعني رفض معالجة المشكلة بمعزل عن أسبابها. فالصيدلاني ليس مسؤولًا عن ارتفاع كلفة الكشف الطبي، ولا عن بعد المراكز الصحية، ولا عن أوجه القصور في الوصول إلى الرعاية، وإن كان مسؤولًا عن الالتزام بحدود اختصاصه والضوابط المهنية والقانونية.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه المؤسسات الصحية لا يقتصر على كيفية الحد من صرف المضادات الحيوية دون وصفة، بل يمتد إلى سؤال أكثر جوهريه من قبيل ماذا فعلنا حتى يصبح الوصول إلى التشخيص الصحيح متاحًا وميسور الكلفة لجميع المواطنين؟

لا يمكن أن نطالب الصيدلاني بأداء دوره في ترشيد استخدام المضادات الحيوية، ثم نتجاهل الظروف التي تدفع بعض المواطنين إلى تجاوز المسار الطبيعي للحصول على العلاج، كما لا يجوز أن نضع المواطن أمام خيارين صعبين: كلفة صحية لا يستطيع تحملها، أو اللجوء إلى دواء قد لا يكون مناسبًا لحالته.

إذا أردنا الحد من الصرف غير الرشيد للمضادات الحيوية، فعلينا أن نجعل الوصول إلى الطبيب والتشخيص الصحيح أسهل، لا أن نكتفي بجعل الحصول على الدواء أكثر صعوبة ،وهذه مسؤولية سياسات صحية عادلة، تتطلب توسيع خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتعزيز مظلة التأمين الصحي، وتوفير قنوات منخفضه الكلفة للاستشارة الطبية، خصوصًا للفئات محدودة الدخل وفي المناطق البعيدة.

إن معالجه موضوع مقاومة مضادات الميكروبات مسؤوليه لا تستطيع مؤسسة واحدة مواجهته منفردة، ولا يمكن التعامل معها بتعليمات متفرقة أو حملات توعية موسمية أو رقابة تركز على جانب واحد من سلسلة العلاج ،بل المطلوب استراتيجية وطنية متكاملة، واضحة الأهداف والمسؤوليات، تستند إلى الأدلة العلمية، وتخضع للمتابعة والتقييم، ويشارك في إعدادها ممثلو القطاعات الصحية كافة، وفي مقدمتهم وزارة الصحة والمؤسسة العامة للغذاء والدواء ونقابتا الأطباء والصيادلة، إلى جانب المستشفيات والجامعات والمختبرات والجهات ذات العلاقة ،وينبغي أن تتضمن هذه الاستراتيجية برامج فعالة للتوعية المجتمعية، ورصد أنماط وصف المضادات الحيوية واستهلاكها، ومتابعة مقاومة الميكروبات، وتطوير التدريب المستمر، وتعزيز التعاون بين الأطباء والصيادلة، وتوفير مؤشرات واضحة لقياس أثر السياسات المتخذة ، كما يجب ألا تتحول الرقابة إلى عبء يلقى على طرف واحد، بل أن تشمل مختلف مراحل التعامل مع المضادات الحيوية، بدءًا من التشخيص والوصف الطبي، مرورًا بالصرف والاستخدام، وصولًا إلى متابعة النتائج ورصد المقاومة. فالمسؤولية التي لا تتوزع بعدالة ووضوح بين أطراف المنظومة تتحول غالبًا إلى إجراءات شكلية لا تعالج جوهر المشكلة.

أن المؤسسات الصحية مطالبة بالتعامل مع الصيدلاني باعتباره شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد جهة تتلقى التعليمات وتتحمل تبعات التنفيذ ، فأحترام دور الصيدلاني وعدم تجاهل دوره أو التقليل من خبرته واجب على صانع القرار وحق أصيل للصيدلاني .

وفي النهاية، فإن قوة المنظومة الصحية لا تقاس بصرامة التعليمات وحدها، بل بقدرتها على حماية المريض، وتمكين اعضاء فريق الرعايه الصحيه ، ومعالجة العوائق التي تحول دون الوصول إلى الرعاية. والصيدلاني ليس خصمًا للمواطن، بل شريك في حمايته ،والمؤسسات الصحية ليست مجرد جهات رقابية، بل مسؤولة عن بناء البيئة التي تتيح لهذا الدور أن يؤدي غايته.

إن تمكين الصيدلاني ليس مطلبًا فئويًا، بل ضرورة وطنية. وحماية فعالية المضادات الحيوية ليست مسؤولية مهنة بعينها، بل مسؤولية منظومة صحية متكاملة. أما العدالة الصحية الحقيقية، فتبدأ عندما لا تكون القدرة على الوصول إلى التشخيص والعلاج رهينة قدرة المواطن على الدفع، وعندما تتكامل المسؤولية المهنية مع مسؤولية الجهات الصحيه في توفير رعاية صحية آمنة وميسورة للجميع , إن معالجه مشكله مقاومه المضادات الحيويه لا يتحقق بصناعة متهم واحد وإعفاء بقية الأطراف من مسؤولياتها، بل بمواجهة مكامن الخلل بشجاعة، ومحاسبة كل جهة على قدر مسؤوليتها ،فصحة المواطن ليست ساحه لتبادل الاتهامات، والصيدلاني ليس شماعه تعلق عليها إخفاقات المنظومة، بل شريك في حماية المريض، وأي إصلاح يتجاهل هذه الحقيقة ليس سوى معالجه للمظاهر وهروب من مواجهة الخلل الحقيقي.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير