جفرا نيوز -
محمود خطاطبة
مرة جديدة، تضرب الولايات المتحدة الأميركية عرض الحائط بالقوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية، وتتعامل مع العدالة باعتبارها شأنا يخضع لمصالحها وحساباتها السياسية ومسؤوليتها الشخصية، بعيدا عن المبدأ الذي يسري على الجميع بلا استثناء.
فلا أحد يستغرب ما تفعله واشنطن؛ فهي تتصرف وكأنّ من حقها وضع قواعد النظام الدولي، والالتزام بها حين تخدم مصالحها، والتنصل منها حين تقترب المساءلة من حلفائها أو تمس نفوذها.
آخر فصول هذا النهج يتمثل في العقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية، والتعهد بشل نشاطها، في خطوة أثارت موجة إدانات دولية، وكأنها قد تفتح بابا لمواجهة بين واشنطن وحلفاء لها. الأمر يتعلق بمحاولة إخضاع مؤسسة قضائية دولية، يفترض أنها معنية بمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم، بغض النظر عن قوة الدول التي ينتمون إليها.
عندما يعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، حظر التعامل مع ما أسماها «المحكمة المارقة»، فإن ذلك يبدو تجاوزا وتجريدا لشرعية المحكمة، بعيدا عن القوانين والمواثيق الدولية، ويكرس منطق أن الدولة القوية هي التي تفرض عقوباتها على المؤسسات التي لا تتوافق مع توجهاتها.
ردود الفعل الدولية جاءت لتكشف حجم المخاوف من تداعيات هذه الخطوة. فالمحكمة الجنائية الدولية وصفت العقوبات بأنها اعتداء على سيادة القانون والركائز الأساسية للنظام القانوني الدولي، وتمس بمبدأ واضح يفترض ألا يعلو أحد فوق القانون.
في المقابل، أثارت العقوبات مخاوف لدى حلفاء واشنطن الأوروبيين بشأن تداعياتها على استقلال المحكمة وقدرتها على مواصلة عملها، وسط دعوات إلى اتخاذ تدابير تحول دون تعطيل جهودها القضائية. فالعكس يعني حرمان الضحايا من الوصول إلى العدالة، ومنح مرتكبي الجرائم فرصة للإفلات من المساءلة.
إذا كانت المؤسسات القضائية مهددة بالعقاب كلما اقتربت من ملفات لا ترغب واشنطن في فتحها، وكانت الأخيرة قادرة على ترهيب من يحاول مساءلة حلفائها؛ فذلك يعني أنه لا جدوى من القانون الدولي ولا من المحكمة الجنائية الدولية.
وتزداد الخطورة، عند النظر إلى الشكاوى المتعلقة بالانتهاكات التي يتهم مسؤولون إسرائيليون بالتورط فيها، كتلك التي قدمت مؤخرا للمحكمة الجنائية الدولية ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي (ربيبة واشنطن)، بشأن تعذيب أسرى فلسطينيين داخل معتقل «سديه تيمان» العسكري.
فالشكاوى تتحدث عن انتهاكات خطيرة ارتكبت بحق معتقلين فلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، بينهم مدنيون وأطفال ومسنون، نتج عنها حالات وفاة وتعذيب وسوء معاملة؛ وهي أفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي.
فهناك معتقلون بترت أطرافهم نتيجة إصابات ناجمة عن تقييدهم بالأغلال، وعمليات جراحية أجريت دون تسكين كاف للألم، فضلا عن وفاة 29 أسيرا في المعتقل حتى تشرين الثاني 2025 نتيجة العنف الجسدي أو الإهمال الطبي أو كليهما.
وفي ظل الموقف الأميركي الجديد، هل يستطيع هؤلاء الضحايا اللجوء إلى القضاء الدولي بثقة؟ فلا يجوز أن تكون هوية المتهم أو قوة الدولة التي ينتمي إليها سببا لتعطيل التحقيق أو حرمان الضحايا من الإنصاف.
وهنا تتجلى المفارقة الأميركية؛ فإدارة البيت الأبيض تتحدث دوما، وبأعلى صوت، عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، لكنها في الوقت نفسه تعمل على أرض الواقع من أجل إضعاف مؤسسة دولية معنية بالمساءلة.
القضية أكبر من المحكمة الجنائية الدولية، وأبعد من خلاف بين واشنطن ومؤسسة قضائية؛ إنها اختبار لمستقبل النظام الدولي، ولمدى قدرة القانون على حماية الضعفاء في مواجهة الأقوياء؛ فإذا أصبحت العدالة امتيازا تمنحه الدول النافذة لمن تشاء، وتحجبه عمن تشاء، فإن العالم لن يكون أمام نظام قانوني دولي، بل أمام ميزان قوى لا مكان فيه إلا لمن يمتلك أدوات الضغط والتهديد.
ختاما، لا تكمن المعضلة في أن الولايات المتحدة تمتلك القوة، بل في الاعتقاد بأن امتلاك القوة يمنحها الحق في تقرير ما إذا كان القانون سيحترم أم سيعطل؛ فمن يحاسب من، إذا كان الأقوياء يعاقبون العدالة كلما اقتربت منهم؟