جفرا نيوز -
البريد الأردني.. حكاية تطوير وذاكرة وطن
بقلم الكاتب : الأستاذ محمود عبيدات
في ذاكرة الأوطان، ثم هنالك مؤسسات تختصر حكاية الدولة، وتحمل بين تفاصيل مسيرتها شواهد على البناء والتطور والهوية الوطنية والبريد الأردني واحد من هذه المؤسسات التي واكبت مسيرة الأردن منذ بدايات تأسيسه، فكان وسيلة للتواصل، وسجلًا لمحطات تاريخية، ومرآةً تعكس ملامح الدولة وتطور مؤسساتها عبر الأجيال.
ومع الاحتفاء بمئوية أول طابع بريدي أردني، تتجدد الحكاية الوطنية من خلال الطابع الذي تجاوز وظيفته التقليدية ليصبح وثيقة تاريخية مصغّرة، تحمل كل معان ورموز للأردن ومعالمه ومناسباته، وتحفظ في تفاصيلها جانبًا من ذاكرة وطن صنع تاريخه بالإرادة والعمل والإنجاز.
وارتبط اسم معالي سامي الداوود في مسيرة المؤسسات الوطنية ، التي تتولى مسؤولية تطوير الأداء في المؤسسات الوطنية ، وتعزيز كفاءة العمل، والحفاظ على الإرث المؤسسي بالتوازي مع التطور في المستقبل.
وفي هذا السياق ، يحضر اسم معالي سامي الداوود، رئيس مجلس إدارة شركة البريد الأردني، الذي تولى هذه المسؤولية عام 2023، في مرحلة تتطلب مواصلة تحديث الخدمات البريدية والتحول الرقمي وتوسيع دور المؤسسة في الاقتصاد الوطني.
حيث شهد هذا القطاع خلال هذه المرحلة توجهات ومبادرات متطورة شملت تعزيز الخدمات الإلكترونية، ودعم التجارة الإلكترونية، وتطوير الخدمات في البريدية واللوجستية وقيادة التحول الرقمي والتقني وابرازه ، بما يعزز قدرة المؤسسة على مواكبة التحولات الرقمية والاستجابة لاحتياجات المواطنين وقطاع الأعمال. كما يكتسب الاهتمام بتوثيق تاريخ الطوابع البريدية أهمية خاصة، باعتباره استثمارًا في الذاكرة الوطنية وصونًا لشواهدها للأجيال قادمة
وتحظى أهمية هذه المسؤولية في الجمع بين متطلبات الإدارة الحديثة وواجب الحفاظ على هوية المؤسسة؛ فالتطوير الحقيقي لا ينفصل عن إدراك الجذور التاريخية، والإنجاز المؤسسي لا يكتمل إلا حين ينعكس أثره على جودة الخدمات واستدامة دور المؤسسة في حياة الأردنيين.
و للبريد الأردني جذور راسخة في تاريخ الدولة وذاكرة الأردنيين وهذا لا يعني انها فقط مؤسسة خدمية، بل هي أحد المرافق الوطنية العريقة التي واكبت نشأة الدولة الأردنية الحديثة. فمنذ عام 1921، ارتبطت الخدمات البريدية بمسيرة بناء مؤسسات الدولة، وأسهمت في تعزيز التواصل بين المدن والقرى ، وربط المواطنين بمؤسساتهم ، وسهولة انتقال الرسائل والأخبار والوثائق في زمن كانت فيه المسافات تحديًا يوميًا أمام التواصل.
ومن السلط وعمّان وإربد والكرك ومعان والعقبة، امتدت حكاية البريد مع الأردنيين، حاملةً رسائلهم وأخبارهم، وموثقةً شيئا من تفاصيل حياتهم .
ولم يكن البريد مجرد ناقل للكلمات، بل كان جسرًا يربط الناس بعضهم ببعض، ويعزز التواصل بين أطراف الوطن، ويسهم في ترسيخ حضور الدولة ومؤسساتها في الحياة اليومية.
وفي عام 1927، صدرت أول مجموعة طوابع أُعدّت خصيصًا لإمارة شرق الأردن ، لتبدأ مرحلة مهمة في تاريخ الطوابع الأردنية ، التي تحولت مع مرور الزمن إلى وثائق مصغّرة تختزن صورًا من تاريخ المملكة ورموزها ومعالمها ومناسباتها الوطنية وعاداتها وتقاليدها .
ومن هنا، اكتسبت مئوية الطابع البريدي دلالتها العميقة الراسخة في اذهان الاردنيين؛ فهي ليست احتفاءً بقطعة ورقية فحسب، بل استعادة لذاكرة وطن، وتقدير لمسيرة مؤسسة أسهمت في خدمة الأردنيين ومواكبة تطلعاتهم عبر الأجيال.
إن الاعتزاز بالبريد الأردني هو اعتزاز بجزء من تاريخ الدولة، وبجهود أجيال من الأردنيين الذين أسهموا في بناء هذه المؤسسة والمحافظة على استمراريتها .
حيث أن هذا الإرث مسؤولية وطنية تتطلب التوثيق له، وإبراز قصصه، وتعريف الأجيال الجديدة بدوره في مسيرة الأردن، ليبقى التاريخ حاضرًا في الوعي الوطني، لا مجرد صفحات محفوظة في الأرشيف.
ومئوية الطابع البريدي أتت من ذاكرة الماضي الى استحقاقات المستقبل في مرحلة يشهد فيها العالم تحولًا متسارعًا في طبيعة الخدمات ووسائل التواصل والتجارة. وهذا التحول يضع البريد الأردني أمام فرصة لتعزيز حضوره في مجالات الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية والحلول الرقمية، مع مواصلة دوره التقليدي في الوصول إلى المواطنين وتلبية احتياجاتهم في مختلف مناطق المملكة.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بالمئوية لا ينبغي أن يتوقف عند استذكار البدايات، بل يجب أن يشكل محطة لتجديد الرؤية، وتعزيز الابتكار، وتطوير الخدمات، وتوسيع الاستفادة من الإرث التاريخي للمؤسسة. كما يمثل فرصة لإحياء الاهتمام بالطوابع البريدية، وتطوير أرشيفها التاريخي، وتنظيم المعارض والأنشطة الثقافية التي تربط الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها.
وفي هذا الإطار، تتكامل مسؤولية الإدارة مع دور العاملين والخبراء والباحثين وهواة جمع الطوابع، في جهد وطني يهدف إلى الحفاظ على الذاكرة البريدية وتقديمها بصورة معاصرة، تجعل من الماضي مصدرًا للمعرفة والإلهام، ومن الحاضر نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر تطورًا.
وفي الختام ان البريد الأردني هو حكاية وطن لا تنتهي وان مئوية أول طابع بريدي أردني ليست مجرد مناسبة تاريخية، بل محطة وطنية تستحضر مسيرة الدولة، وتكرّم جهود أبنائها، وتؤكد أهمية المؤسسات التي حافظت على حضورها عبر التحولات والأجيال.
وفي هذه المناسبة، يلتقي اسم معالي سامي الداوود بمشهد أوسع عنوانه مسؤولية تطوير المؤسسة وصون إرثها، فيما يظل البريد الأردني شاهدًا على حكاية الأردنيين، وعلى تاريخ من التواصل والعمل والانتماء. فبين طابع حمل رموز البدايات، ومؤسسة تتطلع إلى المستقبل، تتواصل مسيرة وطن اعتز دائمًا بجذوره، وبنى حاضره بسواعد أبنائه، ومضى بثقة نحو غده.
وسيبقى البريد الأردني بما يحمله من إرث وطني وما يضطلع به من دور متجدد، فصلًا أصيلًا من حكاية الأردن؛ حكاية دولة تتوارث أجيالها مسؤولية البناء، وتصون منجزاتها، وتحمل هويتها الوطنية باعتزاز من الماضي إلى المستقبل.
فالأوطان التي تحفظ ذاكرتها تصون هويتها، والمؤسسات التي تستلهم تاريخها تمتلك أساسًا راسخًا لمستقبلها
الكاتب : الأستاذ محمود عبيدات
حاصل على ماجستير اعلام واتصال رقمي