اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الحنين إلى الماضي ... يزورنا رغما عنا

الإثنين-2026-10-12 09:34 am
جفرا نيوز -
بقلم: سعد فهد العشوش

لا شك بأن كل واحد منا يحمل في ذاكرته مخزونا هائلاً من الذكريات، التي تعيده الى تفاصيل قديمة عاشها في طفولته وشبابه، حنين الى الزمان وحنين الى المكان وحنين الى صور الأشخاص، وهي تفاصيل تعيش معنا وفينا ولن تفارقنا حتى نفارق هذه الدنيا.

تعود بي الذاكرة الى ما يزيد على خمسة عقود من الزمان وانا أتذكر أخوتي وأبناء جيلي واقراني... ولدنا ونشأنا وترعرعنا في بيوت من الطين القديم واحيانا تكون مصنوعة من الشعر، كان البيت مقسم الى مطبخ ومنامات، يحمينا من حر الشمس صيفا ومن البرد شتاءً، نقطع يوميا مسافة خمسة كيلو مترا وربما أكثر ، من البيت الى المدرسة ذهابا وإيابا مشيا على الاقدام لا مواصلات ولا أوبر ولا كريم ونحن في قمة سعادتنا_ وكأننا ذاهبون الى موعد غرام_ لا نشعر بالتعب ولا بالوقت، نحمل بين أيدينا كتبنا ودفاترنا _ نحرص عليها حرص البخيل على ماله _ وكأنها أغلى ما نملك والتي ربما استعرناها ولم نشتريها، همنا أن لا نصل المدرسة دون حل الواجب، ونسخ الدرس أكثر من مرة، وغالبا ما كان ذلك يتم على ضوء الفنيار واذا كانت الظروف جيدة على ضوء اللوكس ( الشنبر).
 
عشنا حياة الرعي مع الغنم في السهول والوديان والجبال، وشاركنا الأهل في الزراعة وقطف المحصول، ونقل المياه على الدواب، لم نولد وفي فمنا ملعقة من ذهب، ولم تحاصرنا يوم ولادتنا الهدايا ذات الماركات العالمية، ولا أجهزة الآيباد الذكية والسوشال ميديا ولا العالم الافتراضي الذي نعيشه الآن، والذي جردنا من المشاعر وأضعف علاقاتنا الاجتماعية.

كنا نفترش الأرض وننام على سطح البيت _ اذا توفر_ وننظر الى السماء بتعجب ونحاول أن نلعب كأطفال لعبة عد النجوم، نمشي في الظلمة ليلا ولا نخشى من لص أو قاطع طريق، نشرب من الزير وأحيانا نشرب من الماء الذي يجري قريبا من البيت أو ما يعرف (بالقناة)، ونلعب بالحارة حتى مغيب الشمس، ونصنع ألعابنا بأنفسنا من الطين والخشب والحديد المهمل والحبال البالية والاطارات المستهلكة، والعلب الفارغة، ونستخدم النار او البابور لتسخين الماء لأغراض الاستحمام أو الغسيل، فكانت ابسط الأشياء تسعدنا، وكأننا كنا في ذلك الوقت نبعث رسالة للعالم مفادها ... أسعد نفسك بنفسك، ... لذلك نحب الماضي.

كنا نستمتع بلعبة السبع حجارة، وطاق طاق طاقية، والحبالة ( نط الحبل) والكومستير، والقلول، والحاب، والفطة، والحجلة، والزقطة، وحاكم جلاد، والفخ والمغيطة لصيد العصافير ... أعرف أن هذه المسميات لن يعرفها جيل اليوم، ولكن لنا الفخر أننا تربينا في أحضان امهاتنا وآبائنا وأجدادنا وجداتنا، ولم تربينا الخادمات ولا أجهزة التكنولوجيا الحديثة، ولم نكن وقتها نخشى الشيب ولا تقدم العمر ولا تجاعيد الوجه، وما كنا نخجل من واقعنا ولا نخاف على مستقبلنا لأننا نعلم بأنه بيد الله.
 
لم نشهد في طفولتنا خرائط جوجل ولم نعرف اللوكيشن، ... كان المعلم المشهور دكان او فلان أو دخلة الجامع وذلك لانه الدكان الوحيد والجامع الوحيد في القرية ... كانت فرحتنا لا توصف ونحن ننتظر برامج الأطفال وافلام الكرتون على شاشة التلفزيون، وشاهدنا بعضا منها بالابيض والأسود، والبرامج الاذاعية مثل مجلة الأثير، وكم استمتعنا بالاستماع الى اشرطة الكاسيت والاغاني القديمة، وعاصرنا التليفون الأرضي وكانت فرحتنا لا مثيل لها ونحن نتسابق للرد على المتصل أو عندما ندير قرص الهاتف لطلب رقم مسجل في دفتر قديم أو في ورقة نحتفظ بها في جيبنا.

بالطبع لم تكن الحياة سهلة ولكنها كانت بسيطة ، فلكل زمان سلبياته وحسناته وسيئاته ... ولكن من عاش تلك الفترة هو أقدر من غيره على تحويل التحديات الى فرص دون أن يستعجل قطف الثمار.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير