جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته "مستشار سابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية / مستشار سابق لصندوق الاوبك"
يتهيأ الأردن لاستضافة مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في البحر الميت، وتشير المعلومات المنشورة إلى أن الحكومة ستعرض أكثر من أربعين فرصة استثمارية تتجاوز قيمتها خمسة عشر مليار دولار.
هذه مبادرة تستحق التقدير، ودلالتها السياسية والاقتصادية مهمة: حضور أوروبي رفيع، وثقة متبادلة، وقنوات اتصال جديدة بين اقتصاد يبحث عن رأس المال وشريك يبحث عن بيئة مستقرة.
غير أن السؤال الذي يبقى بعد انطفاء الأضواء ليس: كم فرصة عُرضت؟ بل: كم منها تحوّل إلى تمويل، ثم إلى إنشاء وتشغيل، ثم إلى وظائف وصادرات وقيمة مضافة داخل الأردن؟ فالرقم المعلن هو قيمة الفرص المطروحة، لا قيمة الأموال التي جرى تأمينها أو إنفاقها. وهذا لا ينتقص من المبادرة، بل يحدد ما ينبغي أن ننتظره منها وكيف نحاسب نتائجها. وهذا المقال لا يشكك في المؤتمر ولا يكتفي بالاحتفاء به، بل يقترح معياراً وطنياً لقياس نجاحه وأدوات إدارية بسيطة تجعل أثره الاقتصادي أكبر من أثره الإعلامي.
أولاً: رعاية ملكية ومسؤولية أوروبية، زخم سياسي يجب أن يتحول إلى إنجاز
ينعقد المؤتمر تحت الرعاية الملكية الساميه بحضور جلاله الملك عبد الله الثاني ابن الجسين وبمسؤولية الاتحاد الأوروبي، وهذا يمنحه وزناً سياسياً قلّ أن يتوافر لمؤتمر استثماري: غطاء من أعلى مستوى في الدولة، والتزام أوروبي معلن بنجاح الحدث. غير أن الزخم السياسي رصيد نامل ان يُستثمر من مجلس التنميه الأقتصاديه. وقيمته الحقيقية بما يُترجم منه إلى إنجاز اقتصادي فاعل يخدم الأردن، ويقتضي ذلك:
◆ رعاية تقترن بالمتابعة: أن يعلن الجانبان الأردني والأوروبي أن نتائج المؤتمر ستُراجع علناً وفق سلّم واحد متفق عليه.
◆ مسؤولية مشتركة بمؤشرات مشتركة: فمن يتحمل مسؤولية المؤتمر يتحمل متابعة ما خرج منه، لا عرضه فقط.
◆ توظيف الحضور الأوروبي في تقريب الفرص من أدوات التمويل والضمان والمؤسسات المالية الأوروبية حيث ينطبق ذلك.
◆ البدء بالأنضج: تقديم المشاريع الأكثر جاهزية، بدراساتها وتراخيصها، فهي الأسرع وصولاً إلى التمويل والإنجاز.
ثانياً: ثلاثة أنواع من النجاح:
قد ينجح المؤتمر دبلوماسياً دون أن ينجح اقتصادياً بالقدر المأمول، ولذلك يجب التفريق بين ثلاثة مستويات:
◆ النجاح الدبلوماسي: حضور رفيع، وشراكة أوثق مع الاتحاد الأوروبي، وقنوات جديدة.
◆ النجاح التمويلي: انتقال فرص محددة إلى مستثمرين جادين، ودراسات مكتملة، وعقود تمويل ملزمة، مع وضوح مسؤولية كل طرف عن المخاطر.
◆ النجاح الاقتصادي والاجتماعي: إنشاء وتشغيل فاعل وفعال ، ووظائف للأردنيين، وصادرات وإنتاجية ونقل للمعرفة.
ثالثاً: سُلّم التحويل من الاهتمام إلى الإنفاق
الخلط بين الفرصة، واهتمام المستثمر، ومذكرة التفاهم، والإغلاق المالي، والاستثمار المنفَّذ هو أكثر ما يتطلب قراءة لنتائج المؤتمرات. لذلك أقترح سلّماً من خمس مراحل يُنشر عدد المشروعات وارساله لغرفتي الصناعه والتجاره لارساله للشركات الاردنيه / القطاع الخاص وقيمتها عند كل مرحلة من اهتام جاد الى عنايه واجبه الى اتفاق نهائي إلى إغلاق مالي إلى اتفاق رأسمالي فعلي وبذلم نكون قد حددنا أساس النجاح والتقدم.
رابعاً: تدقيق المحفظة وقياس ما يعود على الأردن
لا يكفي أن نعرف أن قيمة الفرص تتجاوز خمسة عشر مليار دولار. المطلوب جدول علني للفرص كلها، تُفرد لكل فرصة فيه بطاقة تبيّن: القطاع والقيمة التقديرية، ومرحلتها على السلّم، والجهة الحكومية المسؤولة، والتمويل المطلوب وما هو مؤكد منه، والجدول الزمني. والفصل بين القيمة التقديرية والتمويل المؤكد هو ما يمنح الأرقام مصداقيتها أمام المستثمر والمواطن معاً.
أما قيمة الاستثمار الحقيقية فلا تُقاس بحجم الأموال التي دخلت، بل بما بقي منها في الاقتصاد الأردني. ولذلك تُنشر دورياً، لكل مشروع وللمحفظة كلها، مؤشرات واضحة:
◆ الوظائف الفعلية للأردنيين، ومستوى مهاراتها وأجورها.
◆ المشتريات المحلية: نسبة التوريد والمقاولة من الشركات الأردنية.
◆ الصادرات الجديدة وأسواقها.
◆ نقل التكنولوجيا والتدريب: عدد المستفيدين ونقل المعرفة التشغيلية.
◆ الإيرادات الضريبية مقابل أي حوافز ممنوحة.
◆ أثر فاتورة الطاقة والمياه: الوفر الفعلي حيث ينطبق ذلك.
خامساً: حماية المالية العامة
ليس كل دولار مستثمر مكسباً صافياً للموازنة، خصوصاً إذا ترتبت عليه التزامات مستقبلية. لذلك يُصنَّف كل مشروع بحسب شكل تمويله، ويُعلَن أثره المحتمل من استثمار خاص مستقل أو شراكة بين قطاعين أو قرض سيادي بضمان الدولة أو ضمان حكومي أو تمويل مختلط.
سادساً: من قائمة مشاريع إلى منظومة اقتصادية
الفرص المتفرقة تعطي أثراً محدوداً، أما المشاريع المترابطة فتضاعف القيمة المضافة. فربط الطاقة المتجددة بالتخزين، وبالمياه، وبالصناعة، وبالنقل والخدمات اللوجستية يجعل المشاريع تدعم بعضها: كهرباء نظيفة ومستقرة تخفض كلفة تحلية المياه والصناعة، وبنية لوجستية تفتح الأسواق الإقليمية والأوروبية، وصناعة محلية تستفيد من التوريد وتنتج للتصدير. وفي هذا يكون الأردن حلقة وصل موثوقة، لا مجرد موقع لمشاريع منفصلة.
سابعاً: القطاع الخاص الأردني شريكاً في التنفيذ
لا ينبغي أن يقتصر دور القطاع الخاص على حضور المؤتمر. فهو شريك في التطوير والتوريد والمقاولة، وهو الأقدر على تحديد العقبات التي تواجه المستثمرين على الأرض. ويقتضي ذلك آلية معلنة لاستقبال ملاحظاته ومتابعتها والرد عليها خلال مدة محددة.
خاتمة
الأردن لا يحتاج إلى التشكيك في قيمة المؤتمر، ولا إلى الاكتفاء بالاحتفاء به، بل إلى نظام وطني يحوّل الفرص المعلنة إلى استثمارات قابلة للتمويل، ثم إلى إنتاج ووظائف وقيمة مضافة. فإذا اعتمدنا هذه الأدوات، لن يُقاس النجاح بعدد الصور والتصريحات، بل بعدد المصانع والمحطات ومواقع العمل التي ستقوم على أرض الأردن. والهدف ليس انتقاد المؤتمر، بل المساهمة في نجاحه، حتى تكون نتائجه الاقتصادية أكبر من أثره الإعلامي.