جفرا نيوز -
نسيم عنيزات
تمر المنطقة منذ سنوات بظروف صعبة وتحديات متراكمة تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، في ظل ضبابية المشهد السياسي وصعوبة التنبؤ بمسارات الأحداث ومآلاتها. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي تجاوزت عامها الرابع، مرورًا بأحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة، وما رافقها من اعتداءات وانتهاكات متواصلة بحق الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولًا إلى الحرب الأمريكية على إيران، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من عدم اليقين، ازدادت معها المخاوف من اتساع رقعة المواجهة، لا سيما مع تصاعد التوترات على الجبهة اليمنية.
وانعكست هذه التطورات، وما يرتبط بها من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، على دول المنطقة كافة، وكان الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه مع محيطه العربي، من الدول المتأثرة بها. ولم تعد آثار هذه الأزمات مقتصرة على الجانب السياسي أو الاقتصادي، بل امتدت لتطال أمن المنطقة واستقرارها، وألقت بظلالها على المشهد الدولي برمته.
وفي ظل غياب رؤية واضحة لمآلات هذه الأحداث، تبدو المنطقة وكأنها تقف في منطقة رمادية تميل إلى القتامة، وسط تساؤلات متزايدة بشأن الأهداف الأمريكية الحقيقية، وطبيعة الخطط التي تسعى واشنطن إلى تنفيذها في المنطقة. فالمؤشرات لا توحي بقرب العودة إلى الأوضاع التي سبقت هذه الأزمات، بل تنذر بمزيد من التعقيد والاضطراب، ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية لاحتواء الصراعات ومنع اتساعها.
ان قراءة متأنية لمسار الأحداث، وما يصاحبها من تحشيدات عسكرية أمريكية وإجراءات ميدانية وتصريحات تنطوي على تهديدات متواصلة، تثير تساؤلات جدية بشأن طبيعة الدور الأمريكي في المرحلة المقبلة. فثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا تتجه إلى الانسحاب من المنطقة، بقدر ما تسعى إلى إعادة ترتيب حضورها ونفوذها بما يضمن استمرار قدرتها على التأثير في مسارات الأحداث، وحماية مصالحها الاستراتيجية، وتعزيز سيطرتها على الممرات البحرية الحيوية وثروات المنطقة .
ومن هنا، تبرز ضرورة الاستعداد للمرحلة المقبلة، والبحث عن خيارات متعددة، ووضع خطط واستراتيجيات قادرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة، بعيدًا عن الرهان على الوعود أو التعهدات التي قد تتغير بتغير المصالح والحسابات السياسية. فالتجارب المتراكمة أظهرت أن السياسة الأمريكية تحكمها، في المقام الأول، اعتبارات المصلحة، وأن التحالفات، مهما بلغت أهميتها، لا تشكل ضمانة مطلقة لاستمرار الدعم أو الالتزام.
ولعل ما شهدته العلاقات الأمريكية مع بعض حلفائها الأوروبيين، وما يثار من تساؤلات بشأن طبيعة التزامات واشنطن تجاه شركائها في المنطقة، يعززان الحاجة إلى مراجعة الحسابات، وعدم التعامل مع المواقف الأمريكية باعتبارها ثوابت لا تتغير. فالدول التي تبني خياراتها الاستراتيجية على تقديرات واقعية، وتمتلك القدرة على تنويع شراكاتها، تكون أكثر استعدادًا لمواجهة التحولات المفاجئة وأقل عرضة لتداعيات القرارات التي تُتخذ بعيدًا عن مصالحها.
وفي هذا السياق، تبرز الجبهة اليمنية بوصفها أحد مصادر القلق الإقليمي، بالنظر إلى ما قد يترتب على تصاعد المواجهات من تهديد لأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وما يمثله ذلك من مخاطر على حركة التجارة العالمية واقتصادات دول المنطقة. كما أن أي توسع في استهداف السعودية أو تهديد الممرات البحرية الحيوية من شأنه أن يزيد الضغوط على الدول العربية، ويفتح الباب أمام تدخلات وتطورات جديدة يصعب التنبؤ بنتائجها.
ولا يمكن استبعاد أن تؤدي هذه التطورات إلى زيادة الضغوط السياسية والمالية والعسكرية على دول المنطقة، لذلك فإن التعامل مع المرحلة المقبلة يتطلب قراءة دقيقة للمشهد، واستعدادًا مبكرًا لمختلف الاحتمالات، ورفضًا لتحويل دول المنطقة إلى أطراف تتحمل كلفة صراعات لا تخدم بالضرورة مصالحها الوطنية.
أما الأردن، فليس بمنأى عن هذه التطورات، بل يواجه تحديات متداخلة على أكثر من جبهة. فمن جهة، تواصل إسرائيل سياساتها العدوانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل الحرب المدمرة على قطاع غزة، والانتهاكات المتواصلة في الضفة الغربية، والتوسع الاستيطاني، وممارسات التهجير القسري التي تهدد الحقوق الفلسطينية، وتضع أمن المنطقة واستقرارها أمام مخاطر متزايدة.
ومن جهة أخرى، تفرض التطورات على الساحة السورية تحديات أمنية وسياسية إضافية، في ظل الاعتداءات الإسرائيلية، ومخاطر النشاطات الإرهابية، مما يفرض على الدولة مواصلة اليقظة والاستعداد للتعامل مع مختلف التهديدات، بما يحمي أمن المملكة ومصالحها الوطنية.
وإلى جانب هذه التحديات الأمنية، تفرض الأزمات الإقليمية ضغوطًا اقتصادية متزايدة، سواء من خلال اضطراب حركة التجارة والنقل، أو ارتفاع كلف الطاقة والتأمين، أو تراجع فرص الاستثمار وتباطؤ النشاط الاقتصادي. كما أن استمرار حالة عدم اليقين يفرض أعباء إضافية على الخطط التنموية.
ومع ذلك، فقد أظهر الأردن قدرة على التعامل مع كثير من الأزمات التي أحاطت به، ونجح في الحفاظ على استقراره ومواصلة مسيرته التنموية رغم صعوبة الظروف المحيطة. كما استمر في تنفيذ عدد من برامجه الاقتصادية والإصلاحية، ومضى في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري التي أُعلنت في السنوات الماضية، بما يعكس إدراكًا لأهمية عدم السماح للأزمات الخارجية بتعطيل مسيرة البناء والتطوير.
لذلك فان ما تشهده المنطقة اليوم لا يسمح بالتعامل مع المستقبل باعتباره امتدادًا طبيعيًا للماضي، او الركون إلى افتراض أن الأزمات ستنتهي قريبًا أو أن الأوضاع ستعود تلقائيًا إلى ما كانت عليه. فالتغيرات المتسارعة في موازين القوى، وتداخل المصالح الدولية والإقليمية، واتساع نطاق الصراعات، كلها عوامل تفرض على الدول إعادة تقييم سياساتها وخططها، والاستعداد لمرحلة قد تحمل تحولات عميقة في طبيعة العلاقات والتحالفات ومصادر التهديد.
ومن هنا، فإن المطلوب أردنيًا هو مواصلة بناء منظومة متكاملة للاستعداد للمستقبل، تقوم على إعداد سيناريوهات متعددة، ووضع بدائل عملية لكل احتمال، وتعزيز الجاهزية في جميع المجالات وتطوير أدوات إدارة الأزمات.
كما تبرز أهمية تعزيز التنسيق العربي، وتوسيع مجالات التعاون مع الشركاء الدوليين، على أساس المصالح المشتركة.
وفي موازاة ذلك، ينبغي مواصلة حماية الإنجازات الوطنية، وعدم السماح للضغوط الإقليمية بأن تعطل برامج التحديث والتنمية.
فالأردن، بما يمتلكه من خبرة في التعامل مع الأزمات، قادر على تحويل الاستعداد المبكر والتخطيط الواقعي إلى عناصر قوة تساعده على تجاوز المخاطر والحد من آثارها.
وفي ظل عاصفة التغيرات الدولية والإقليمية، يبقى الاستعداد لكل الاحتمالات ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالأيام المقبلة قد تحمل مفاجآت جديدة، ولا يمكن ضمان مساراتها، لكن ما يمكن ضمانه هو أن تكون لدينا رؤية واضحة، وخطط قابلة للتنفيذ، وبدائل مدروسة، وإرادة وطنية قادرة على حماية الأردن ومصالحه، وصون استقراره، ومواصلة مسيرته رغم كل ما يحيط به من تحديات.