من قلب النوبة، صنع محمد منير أسطورته الغنائية، وحول تراثها إلى صوت مختلف اخترق وجدان أجيال كاملة، ليصبح " الكينغ" واحدًا من أبرز رموز الأغنية المصرية والعربية.
وفي عيد ميلاده الـ72، تعود حكاية الفنان محمد منير من حلم الغناء، مرورًا بلقائه الفنان أحمد منيب الذي فتح أمامه أبواب الاحتراف، وصولًا إلى تجربة موسيقية استثنائية جمعت بين الهوية والتجديد، ورسخت اسمه خارج حدود الزمن والأنماط الغنائية التقليدية.
ولد محمد منير في الـ10 من شهر تشرين الأول/أكتوبر 1954 بقرية منشية النوبة في محافظة أسوان، ونشأ وسط التراث النوبي والموسيقى الشعبية، قبل انتقال أسرته إلى القاهرة عقب تهجير أهالي النوبة بسبب بناء السد العالي وارتفاع مياه بحيرة ناصر، لتظل جذوره حاضرة في وجدانه وأعماله الفنية.
ودرس منير الفوتوغرافيا والسينما والتليفزيون بكلية الفنون التطبيقية في جامعة حلوان، لكن شغفه بالغناء دفعه إلى السعي وراء حلمه، حتى وصل إلى الفنان والملحن أحمد منيب، الذي تبناه فنيًا ودربه على ألحانه، وقدم له أغنيات نوبية وأخرى غير نوبية، لتبدأ مرحلة مهمة في تشكيل هويته الموسيقية.
وانطلقت رحلة محمد منير الفنية خلال سبعينيات القرن الماضي، مستفيدًا من التعاون مع أسماء بارزة، من بينها أحمد منيب، الشاعر عبد الرحيم منصور، والموسيقار هاني شنودة.
وشكل ألبوم " شبابيك" الصادر عام 1981 محطة مهمة في مشواره، حيث ساعد على توسيع قاعدة جمهوره وترسيخ حضوره بلون غنائي مختلف، يمزج بين الألحان النوبية والموسيقى المصرية والعربية، مع الاستفادة من إيقاعات الجاز والروك، دون التخلي عن هويته الأصلية.
وقدم " الكينغ " مجموعة من الأغنيات التي أصبحت علامات في مسيرته، من بينها "الليلة يا سمرا"، "شجر الليمون"، "حدوتة مصرية"، "الناس في بلادي"، "شمندورة"، "في عشق البنات"، "علي صوتك بالغنا".
وتنوعت أعماله الغنائية بين الحب والحنين والوطن والحرية والاغتراب، مع كلمات تحمل أبعادًا إنسانية واجتماعية، وألحان تجمع بين الأصالة والتجديد، وهو ما ساعد على استمرار حضور أغنياته لدى أجيال مختلفة.
ولم تقتصر موهبة الكينغ محمد منير على الغناء، بل امتدت إلى السينما، ومن أبرز محطاته مشاركته في فيلم "المصير" للمخرج يوسف شاهين عام 1997، وارتباطه بأغنية "علي صوتك بالغنا"، التي أصبحت من أشهر أعماله.
وعكست هذه التجربة تنوع اهتماماته الفنية، وقدرته على توظيف الموسيقى في التعبير عن الأفكار والمشاعر من خلال أكثر من وسيط إبداعي.
واستمد محمد منير تميزه من تمسكه بجذوره النوبية، وقدرته على تقديمها في قالب معاصر، إلى جانب اختياراته الغنائية التي تناولت قضايا الإنسان والانتماء والأمل، وحضوره الخاص على المسرح.
ومع حلول عيد ميلاده الثاني والسبعين، تظل رحلته منير نموذجًا لفنان حول شغفه بالغناء إلى تجربة موسيقية متفردة، انطلقت من التراث النوبي ووصلت إلى جمهور واسع، ليبقى " الكينج" اسمًا بارزًا في ذاكرة الأغنية المصرية والعربية.