جفرا نيوز -
بقلم المحامية ريم المصري
يعود الحديث من جديد عن العفو العام، ما بين حماية المجتمع وتحقيق العدالة وإبقاء باب الإصلاح مفتوحًا، وتتباين الآراء حوله بين من يراه فرصة لإنهاء آثار بعض القضايا وإعادة دمج المحكوم عليهم في المجتمع، وبين من يتخوف من أن يؤدي التوسع فيه إلى إضعاف أثر العقوبة أو المساس بحقوق المتضررين وهيبة القانون.
وبين الموقفين، تبقى المسألة أعمق من مجرد التأييد أو الرفض، لأن العفو العام لا يتعلق بالمحكوم عليه وحده، بل يمتد أثره إلى أسرته، وإلى المتضرر من الجريمة، وإلى المجتمع ومنظومة العدالة ومفهوم الردع والإصلاح.
فالعفو العام ليس مجرد فتح لأبواب السجون، ولا ينبغي أن يكون حلًا شاملًا لكل القضايا. وليس من المنطقي أن تتساوى في المعالجة الجرائم الخطرة ومعتادو الإجرام ومن يشكلون تهديدًا حقيقيًا لأمن المجتمع وسلامة أفراده، مع جرائم محدودة الخطورة أو حالات يمكن أن تتحقق فيها غاية العقوبة دون استمرار سلب الحرية.
والتقدير هنا لا ينبغي أن يرتبط بوصف الجريمة وحده، وإنما بطبيعة الفعل وظروفه وتكراره ومدى الخطورة التي يمثلها مرتكبه على المجتمع.
وفي المقابل، لا يكتمل مفهوم العدالة من دون الحفاظ على حقوق المتضررين من الجريمة. ففتح باب الإصلاح أمام من يستحقه لا يعني إهدار حقوق الآخرين، وإنما يقتضي إيجاد التوازن بين حماية المجتمع، وإنصاف المتضرر، ومحاسبة مرتكب الفعل بالقدر الذي يتناسب معه، مع إبقاء فرصة حقيقية للإصلاح والعودة إلى المجتمع.
ومن هنا، فإن الحديث عن العفو العام يقود إلى مسألة أوسع تتعلق بالسياسة العقابية ذاتها. فالسجن يبقى ضرورة عندما تقتضي حماية المجتمع ذلك، لكنه ليس الوسيلة الأنسب في جميع الحالات. وبدائل العقوبات السالبة للحرية، والخدمة المجتمعية، والمراقبة الإلكترونية، والبرامج التأهيلية، يمكن أن تحقق الردع والإصلاح في حالات محددة دون الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترتب على سلب الحرية.
كما أن مراجعة سياسة التوقيف تظل جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية. فالتوقيف تدبير إجرائي وليس عقوبة، ومع ذلك قد تمتد آثاره إلى عمل الإنسان وأسرته وسمعته وحياته الاجتماعية، خصوصًا عندما تطول مدته ثم تنتهي الدعوى بالبراءة أو عدم المسؤولية. ولذلك فإن الموازنة بين مقتضيات التحقيق والمحاكمة وبين حماية الحرية وقرينة البراءة تبقى من صميم العدالة.
ولا يمكن فصل ذلك عن واقع مراكز الإصلاح والتأهيل وما قد يرافق الاكتظاظ فيها من أعباء إنسانية واجتماعية واقتصادية. فالمعالجة لا تكون فقط بزيادة القدرة الاستيعابية، وإنما بإعادة النظر في الحالات التي تستوجب فعلًا سلب الحرية، وتلك التي يمكن التعامل معها ببدائل تحقق الغاية القانونية والاجتماعية للعقوبة بصورة أكثر فاعلية.
والإصلاح الحقيقي لا يتوقف عند العفو أو عند انتهاء مدة العقوبة. فمنح الإنسان فرصة ثانية يحتاج إلى برامج تأهيل وإعادة إدماج تساعده على العودة إلى العمل والحياة الطبيعية، وتحد من احتمالات العودة إلى الجريمة. فنجاح السياسة العقابية لا يقاس فقط بالعقوبة التي تفرض، وإنما كذلك بقدرتها على حماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة.
ولعل الأهم من ذلك كله أن يبقى قانون العقوبات والتشريعات الناظمة للقضايا الجزائية محل مراجعة وتطوير مستمرين، بما يواكب تطور المجتمع والتغير في طبيعة الجرائم ووسائل ارتكابها، ويتلاءم مع المستجدات القانونية والاجتماعية والتقنية، ويعزز بدائل العقوبات الحديثة ومفاهيم التأهيل والإصلاح. فالتشريع الفاعل ليس نصًا جامدًا، وإنما منظومة ينبغي أن تتطور كلما كشف التطبيق العملي عن حاجة حقيقية إلى المراجعة والتحديث، مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة وأمن المجتمع وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، يمكن للعفو العام، متى تقرر، أن يشكل معالجة استثنائية ومدروسة لبعض الحالات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى علاج دوري لمشكلات تتكرر أسبابها. فالمعالجة الأكثر استدامة تكمن في سياسة جزائية متكاملة تبدأ من النص القانوني، وتمر بإجراءات التوقيف والمحاكمة والعقوبة وبدائلها، ولا تنتهي إلا بالتأهيل وإعادة الإدماج.
وفي النهاية، يبقى العفو العام أكثر من مجرد وسيلة لتخفيف أعداد النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل؛ فهو فرصة استثنائية تُمنح، ضمن ضوابط مدروسة، لمن يستحقها للعودة إلى نسيج المجتمع فالنجاح الحقيقي للعدالة لا يُقاس فقط بقدرتها على فرض العقوبة وتحقيق الردع، بل كذلك بقدرتها على التقويم والإصلاح وإعادة الاندماج.
ومتى استند العفو إلى سياسة جزائية متوازنة، تطوّر بدائل العقوبات، وتصون حقوق المتضررين، وتعزز تأهيل المحكوم عليهم، نكون أمام معادلة تحقق غاية القانون في حماية المجتمع وصون الحقوق، دون أن تغلق باب الإصلاح أمام من يستحق فرصة حقيقية للعودة إلى المجتمع.