جفرا نيوز -
إياد العدوان
شارع يُعبّد اليوم، ثم يُحفر بعد أيام أو أسابيع لتمديد خط مياه أو كهرباء أو اتصالات، قبل أن يُردم ويُعاد تأهيله، وربما يُفتح مجددًا بعد فترة قصيرة.. مشهد بات مألوفًا في عدد من شوارع المملكة، ويطرح سؤالًا يتكرر لدى المواطنين: من يدفع فاتورة الشارع؟
القضية لا تتعلق بالحفريات بحد ذاتها، فمشاريع المياه والكهرباء والاتصالات والبنية التحتية تحتاج بطبيعة الحال إلى أعمال حفر، وإنما بطريقة إدارة هذه الأعمال، ومدى التنسيق بين الجهات الخدمية، وجودة إعادة تأهيل الطريق، والرقابة على الشركات والمقاولين، خصوصًا عندما تتكرر الحفريات في الموقع ذاته خلال فترات زمنية قصيرة.
فالشارع الذي يخضع للتعبيد ثم يُفتح مجددًا لا يخسر فقط جزءًا من عمره الافتراضي، وإنما قد تترتب على أعمال الحفر وإعادة التأهيل كلف إضافية، فيما يتحمل المواطن كلفة غير مباشرة تتمثل في الازدحامات، وتحويلات السير، والأضرار المحتملة على المركبات، إلى جانب تراجع مستوى الخدمة العامة.
وكانت الحكومة قد أقرت في عام 2025 إجراءات للحد من الاعتداءات على الطرق الناتجة عن حفريات مشاريع البنية التحتية، تضمنت تعزيز التنسيق المسبق بين الجهات المعنية، واعتماد تقنيات حفر حديثة، وإعادة الطريق إلى حالتها السابقة، وعدم الإفراج عن كفالة حسن التنفيذ قبل التأكد من إنجاز الأعمال وإعادة الوضع كما كان.
لكن مع دخول الموسم المطري، يأخذ الملف بُعدًا إضافيًا؛ إذ قد تكشف الأمطار أي خلل في أعمال الردم أو الدمك أو إعادة التأهيل، فيما يمكن لتسرب المياه إلى طبقات الطريق أن يؤدي إلى هبوطات وتشققات وتوسع الأضرار في مواقع الحفريات السابقة.
وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بمظهر الشارع فقط، بل بسلامة الطريق وكلفة صيانته، خصوصًا إذا ظهرت العيوب بعد فترة من انتهاء أعمال الحفر والإفراج عن الكفالات.
أمانة عمّان: المقاول يتحمل كلفة إعادة التأهيل
وفي رد على استفسارات "جفرا نيوز" حول الجهة التي تتحمل فعليًا كلفة إعادة تأهيل الشوارع بعد حفريات شركات الخدمات، أوضح الناطق الإعلامي باسم أمانة عمّان الكبرى معاذ الحديد أن كلفة تأهيل الشوارع بعد حفريات شركات الخدمات يتحملها المقاول خلال فترة الصيانة.
وبيّن الحديد أن الأمانة تقوم بعمل مطالبة مالية على المقاول بقيمة أعمال التأهيل، بما يعني أن كلفة إعادة الشارع إلى وضعه المطلوب لا تقع على موازنة الأمانة متى كانت ضمن مسؤولية المقاول وفترة الصيانة المحددة.
وبشأن احتمالية تكرار الحفر في الموقع نفسه، أكد الحديد عدم وجود مواقع تعرضت للحفر أكثر من مرة، وفق بيانات الأمانة المتعلقة بهذا الملف.
وتشير الأمانة، في هذا السياق، إلى أن مسؤولية المقاول لا تنتهي بمجرد إغلاق موقع الحفر، وإنما تمتد خلال فترة الصيانة، الأمر الذي يضع جودة أعمال إعادة التأهيل تحت الاختبار، خصوصًا عندما تظهر عيوب أو أضرار تستدعي تدخلًا جديدًا.
مئات التصاريح.. وحفريات طوارئ يومية
وفيما يتعلق بحجم أعمال الحفر، أظهرت بيانات أمانة عمّان الكبرى إصدار 680 تصريح حفر لخدمات البنية التحتية خلال عام 2025.
ولا تتوقف الأعمال عند التصاريح المسبقة، إذ تستقبل الأمانة نحو 50 شكوى طوارئ يوميًا مرتبطة بالحفريات، وفق ما أوضحه الحديد، وهو رقم يعكس حجم التعامل اليومي مع أعمال الخدمات والحالات الطارئة المرتبطة بها.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلًا آخر حول قدرة الجهات المعنية على متابعة جميع المواقع ميدانيًا، وضمان أن أعمال الردم والتأهيل تنفذ وفق المواصفات، خصوصًا في المواقع التي تشهد حركة مرورية كثيفة.
الأشغال: لا نصدر تصاريح لحفر الشوارع المعبدة
من جانب آخر، أوضح الناطق الإعلامي باسم وزارة الأشغال العامة والإسكان عمر المحارمة أن الوزارة منحت خلال عام 2026 ما مجموعه 193 تصريحًا لحفر خدمات البنية التحتية، موزعة بواقع 53 تصريحًا في إقليم الشمال، و95 في الوسط، و45 في الجنوب.
وأكد المحارمة أن وزارة الأشغال تمنح تصاريح حفر الخدمات بعد تقديم عقد مقاولة لتنفيذ الأعمال، ومخطط لمسار الحفر، إلى جانب كفالة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقًا.
وشدد على أن الكفالة لا تتم إعادتها مباشرة بعد انتهاء أعمال الحفر، وإنما بعد إجراء كشف فني من اللجان المختصة للتأكد من مسار العمل الفعلي وضمان إعادة الوضع إلى ما كان عليه.
وأوضح أن وزارة الأشغال لا تمنح تصاريح لحفر الإسفلت في الشوارع المعبدة مطلقًا، وإنما يسمح فقط بالعمل والحفر ضمن حرم الطريق على جوانب الطرق وفي الجزيرة الوسطية.
ولفت المحارمة إلى أن وضع الطرق الواقعة ضمن اختصاص وزارة الأشغال يختلف عن الطرق التابعة لأمانة عمّان والبلديات، مؤكدًا أن الكفالات لا تعاد إلا بعد الكشف الفني والهندسي والتأكد بشكل كامل من تسوية مواقع العمل وإعادتها إلى وضعها السابق.
الحفر المتكرر.. أين المشكلة؟
رغم اختلاف الاختصاصات بين الطرق التابعة لأمانة عمّان والبلديات والطرق الواقعة ضمن اختصاص وزارة الأشغال، فإن جوهر القضية يبقى مرتبطًا بمدى التنسيق بين الجهات الخدمية قبل تنفيذ أعمال الحفر.
فإذا كانت جهة خدمية بحاجة إلى تمديد خط جديد، ثم تحتاج جهة أخرى بعد فترة قصيرة إلى فتح الموقع ذاته لتنفيذ أعمال مختلفة، فإن غياب التنسيق المسبق قد يعني عمليًا إعادة تحميل الطريق أعمالًا كان يمكن تنظيمها أو تنفيذها ضمن مشروع واحد.
وتبرز هنا أهمية وجود قاعدة بيانات محدثة للبنية التحتية تحت الطرق، توضح مواقع خطوط المياه والكهرباء والاتصالات وغيرها، إلى جانب خطط الجهات الخدمية ومشاريعها المستقبلية، بما يساعد على تقليل الحفر غير الضروري.
وفي المقابل، تؤكد أمانة عمّان أنه لا توجد، وفق البيانات المتوفرة لديها، مواقع تعرضت للحفر أكثر من مرة، وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة التحقق من حجم الظاهرة على مستوى المملكة، وليس فقط ضمن نطاق جهة واحدة.
كما أن توثيق حالة الطريق قبل بدء الحفر وبعد انتهاء الأعمال يمكن أن يشكل أداة رقابية مهمة، ليس فقط لإثبات أن الحفر كان ضروريًا، وإنما للتأكد من أن الموقع أعيد إلى المستوى الفني المطلوب.
الكفالات.. هل تكفي لضمان الشارع؟
من النقاط التي تستحق التدقيق طبيعة الكفالات والتأمينات التي تقدمها الجهات المنفذة لأعمال الحفر.
ففي حالة الطرق الواقعة ضمن اختصاص وزارة الأشغال، تؤكد الوزارة أن الكفالة لا تعاد إلا بعد الكشف الفني والهندسي والتأكد من إعادة الموقع إلى حالته السابقة.
أما في نطاق أمانة عمّان، فتؤكد الأمانة أن المقاول يتحمل كلفة إعادة التأهيل خلال فترة الصيانة، ويتم إعداد مطالبة مالية عليه بقيمة أعمال التأهيل.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو مدى فاعلية هذه الآليات عندما تظهر العيوب بعد انتهاء فترة الصيانة، خصوصًا إذا كشفت الأمطار لاحقًا عن هبوطات أو تشققات مرتبطة بأعمال الردم أو الدمك.
فالمعيار الحقيقي لجودة إعادة التأهيل لا يتمثل فقط في إغلاق الحفرة وإعادة وضع طبقة الإسفلت، وإنما في قدرة الموقع على تحمل حركة المركبات والعوامل الجوية على المدى اللاحق.
مع الشتاء.. الاختبار الحقيقي لأعمال التأهيل
ومع دخول الموسم المطري، تصبح الحفريات التي أعيد تأهيلها مؤخرًا محل اهتمام أكبر، إذ يمكن للأمطار أن تكشف خلال فترة قصيرة مشكلات لم تكن واضحة عند انتهاء الأعمال.
فالردم غير الجيد أو ضعف الدمك أو وجود خلل في تصريف المياه يمكن أن يؤدي إلى تسرب المياه إلى طبقات الطريق، ومن ثم ظهور هبوطات أو تشققات أو توسع في الأضرار.
ومن هنا تبرز أهمية المتابعة الفنية للمواقع التي شهدت حفريات حديثة، والتعامل معها بشكل وقائي قبل تحول أي خلل إلى ضرر أكبر يحتاج إلى إعادة تأهيل جديدة.
من يتحمل الكلفة؟
الجانب المالي هو الجزء الأكثر أهمية في هذا الملف، فالحفر لا يعني فقط تكلفة تنفيذ المشروع الخدمي، بل يتبعه ردم وإعادة تأهيل، وقد تحتاج بعض المواقع إلى أعمال إضافية في حال عدم مطابقة التنفيذ للمواصفات.
وبحسب أمانة عمّان، فإن كلفة تأهيل الشوارع بعد حفريات شركات الخدمات يتحملها المقاول خلال فترة الصيانة، فيما يتم إعداد مطالبة مالية عليه بقيمة أعمال التأهيل.
أما وزارة الأشغال، فتؤكد أن الكفالة المقدمة من الجهة المنفذة تشكل ضمانًا لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، ولا تتم إعادتها إلا بعد الكشف الفني والهندسي والتأكد من إنجاز الأعمال وفق المتطلبات.
وهنا لا تكفي معرفة عدد تصاريح الحفر، بل تبرز أهمية معرفة حجم الكلف التي ترتبت على إعادة التأهيل، وعدد المطالبات المالية التي وجهت إلى المقاولين، وقيمة الكفالات التي تم تفعيلها، وعدد الحالات التي ظهرت فيها عيوب بعد انتهاء الأعمال.
مسؤولية الشركات والمقاولين
ولا يمكن النظر إلى شركات الخدمات بمعزل عن المقاولين المنفذين لأعمال الحفر، ففي كثير من المشاريع تكون الجهة الخدمية صاحبة المشروع، بينما تنفذ أعمال الحفر وإعادة التأهيل شركة مقاولات متخصصة، ما يجعل تحديد المسؤولية عن أي عيوب أمرًا أساسيًا.
وهنا تبرز أهمية معرفة طبيعة العقود المبرمة، والجهة التي تستلم العمل، والشروط الفنية المتعلقة بإعادة الطريق، والفترة التي يبقى فيها المقاول مسؤولًا عن أي عيوب تظهر لاحقًا.
وفي المقابل، فإن شركات الخدمات مطالبة بضمان متابعة المقاولين والتأكد من التزامهم بشروط التصاريح والمواصفات الفنية، وعدم الاكتفاء بإغلاق موقع الحفر بعد الانتهاء من الأعمال.
هل تعود الطريق كما كانت؟
فنيًا، لا تعني إعادة الإسفلت فوق الجزء المحفور بالضرورة أن الطريق عادت إلى حالتها الأصلية، فجودة الردم والدمك، ونوع المواد المستخدمة، وعمق الحفر، وطبيعة طبقات الطريق، وحجم حركة المركبات، كلها عوامل تؤثر في قدرة الموقع على تحمل الضغط بعد انتهاء العمل.
ومع الأمطار، قد تتضاعف آثار أي خلل في هذه المراحل، خصوصًا إذا تسربت المياه إلى الطبقات السفلية للطريق، ما قد يؤدي إلى هبوطات أو تشققات أو توسع الأضرار.
ولهذا فإن الكشف الفني والهندسي بعد انتهاء الأعمال لا يمثل إجراءً شكليًا، بل يشكل جزءًا أساسيًا من ضمان إعادة الموقع إلى حالته المطلوبة،.
القضية أوسع من حفرة في الشارع
في النهاية، لا يتعلق الملف بحفرة هنا أو شارع أعيد فتحه هناك، وإنما بكفاءة إدارة البنية التحتية وحماية المال العام والحفاظ على عمر الطرق، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء وما يحمله من اختبار فعلي لجودة أعمال الردم والتأهيل.
وتكشف بيانات الجهات المعنية عن حجم كبير من أعمال الحفر والتعامل مع الحالات الطارئة؛ ففي أمانة عمّان وحدها جرى إصدار 680 تصريح حفر لخدمات البنية التحتية خلال عام 2025، بالتوازي مع نحو 50 شكوى طوارئ يوميًا، فيما منحت وزارة الأشغال 193 تصريحًا خلال عام 2026 ضمن نطاق الطرق الواقعة تحت اختصاصها.
وبينما تؤكد أمانة عمّان عدم وجود مواقع تعرضت للحفر أكثر من مرة، وتشدد وزارة الأشغال على عدم إعادة الكفالات إلا بعد الكشف الفني والهندسي، يبقى التحدي في ضمان أن تنعكس هذه الإجراءات على أرض الواقع، وأن لا تتحول أعمال إعادة التأهيل إلى معالجة مؤقتة تظهر عيوبها مع أول موسم مطري.
فكل عملية حفر تحتاج إلى تصريح ومتابعة وإعادة تأهيل، وكل إعادة تأهيل لها كلفة، وكل خلل في التنفيذ قد يعني كلفة إضافية على المقاول أو الجهة المسؤولة، فضلًا عن كلفة غير مباشرة يتحملها مستخدمو الطريق.
ومع اقتراب موسم الأمطار، يصبح اختبار الشوارع المحفورة وإعادة تأهيلها أكثر إلحاحًا، فالمعيار الحقيقي ليس إغلاق الحفرة بالإسفلت، وإنما قدرة الطريق على الصمود بعد عودة الأمطار وحركة المركبات، دون أن تتحول الحفر القديمة إلى أضرار جديدة وفاتورة إضافية للصيانة.