جفرا نيوز -
بقلم : د عبدالحميد عليمات
هناك ظاهرة تتسع في المشهد الإداري تستحق أكثر من مجرد الملاحظة اذ نجد مؤسسات حكومية تستيقظ على ما تكتبه مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تسارع إلى إصدار التوضيحات والنفي والتبريرات.
قد يبدو ذلك للوهلة الأولى دليلًا على سرعة الاستجابة، وهو كذلك في بعض الحالات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتصحيح معلومة مغلوطة أو مواجهة شائعة تمس المصلحة العامة ،لكن عندما يصبح هذا السلوك نمطًا متكررًا،فأن هذا يطرح تساؤلا هل المؤسسات مطالبة بأن تربح كل معركة على مواقع التواصل الاجتماعي، و أن تشرح نفسها أمام كل منشور ،أم أنها مطالبة بأن تخطط وتنفذ وتشرح سياساتها وفق رؤية واضحة، لا وفق إيقاع "الترند"، فالقرار المؤسسي لا ينبغي أن يولد من رحم منشور، ولا أن تتغير الأولويات لأن مقطع فيديو انتشر، ولا أن تستنفر مؤسسة كاملة لأن قضية ما أصبحت حديث الناس لساعات.
في كثير من الحالات، يكون سبب الجدل والرد هو غياب المعلومة الرسمية أو تأخرها فعندما لا تقدم المؤسسة المعلومة في الوقت المناسب، فإن الفراغ لا يبقى فراغًا اذ يبدأ الناس في تفسير الأحداث، وتظهر الروايات المختلفة، وتتسع مساحة الاجتهاد، وقد تدخل الشائعة على الخط ،ثم تأتي المؤسسة بعد ذلك لتقول "للتوضيح"، لكن التوضيح المتأخر، مهما كان دقيقًا، لا يعيد دائمًا الثقة التي فقدتها المعلومة الرسمية عندما تأخرت وهذا هو جوهر المشكلة.
أزمة التواصل في بعض المؤسسات في كثير من الأحيان ليست أزمة إعلام، وإنما أزمة إدارة ،إدارة لا تضع المعلومة في المكان والوقت المناسبين وإدارة لا تشرح قراراتها قبل أن تتحول إلى قضية وإدارة لا تعرف أن الشفافية ليست ردًا على أزمة، بل أسلوب عمل يومي ،والأخطر أن كثرة التبرير قد تعطي انطباعًا بوجود نوع من الإدارة المرتعشة ،إدارة تخشى النقد أكثر مما تثق بقرارها، وتتعامل مع كل موجة انتقاد باعتبارها تهديدًا يجب إخماده سريعًا ،وهذا مؤشر خطر على الإدارة العامة ،فالمؤسسة القوية لا تنزعج من السؤال، ولا تخشى النقد، ولا تتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها محكمة يومية ،المؤسسة القوية تعرف أن عليها أن تقدم المعلومة، وأن تشرح القرار، وأن تتحمل مسؤوليتها، ثم تمضي في تنفيذ ما تراه صحيحًا وفق القانون والمصلحة العامة.
أما أن يصبح المسؤول في حالة استنفار دائم لمراقبة ما يقال عنه وعن مؤسسته، فذلك يعني أن جزءًا من طاقة الإدارة بدأ ينتقل من إدارة الدولة إلى إدارة الانطباعات عنها ،وهنا نخسر مرتين ،نخسر وقت الإدارة، ونخسر هيبة المؤسسة.
لكن بالمقابل فأن ذلك لا يعني أننا نريد مؤسسات صامته بل نحن بحاجة إلى مؤسسات أكثر انفتاحًا، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على التواصل مع المواطنين ،لكننا نريد تواصلًا استباقيًا، لا دفاعًا متأخرًا ،وأن تجعل المعلومة الرسمية هي المصدر الأول، لا المصدر الذي يصل بعد أن تكون عشرات الروايات قد أخذت مكانها لكن هناك فارق جوهري بين أن تستمع المؤسسات إلى المجتمع، وبين أن تصبح أسيرة لما تتداوله منصات التواصل الاجتماعي ،وهذا يتطلب تطوير منظومة الاتصال في المؤسسات ، ليس باعتبارها وظيفة إعلامية فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من الحوكمة والإدارة وصناعة القرار.
إذا كنا نريد لمشروع تحديث الأداره العامه أن ينجح فعلينا أن ننتقل من ثقافة "التوضيح بعد الحدث" إلى ثقافة "المعلومة قبل الحدث" ومن إدارة ردود الفعل إلى إدارة الفعل.
وفي النهاية، لا نريد مؤسسات تخوض معركة يومية مع مواقع التواصل الاجتماعي ، بل نريد مؤسسات أكثر ثقة من أن ترتبك أمام منشور، وإدارة عامة تعرف أن شرعيتها المهنية لا تقاس بعدد البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح، وتنفيذه، وشرح أسبابه، وتحمل مسؤوليته ،فالمؤسسة التي لا تصنع المعلومة، ستجد نفسها دائمًا مضطرة إلى مطاردة الرواية التي يصنعها الآخرون.