اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

مجحم الخريشا: كنت في الديوان الملكي

الثلاثاء-2026-10-06 08:53 am
جفرا نيوز -
محمود كريشان

«صباح الخير يا عمان.. صباح الخير يا أردن.. صباح النور أيها الحمى الهاشمي الذي نشأنا على تربته وإليه نعود».. صباح الخير وأُسعدتم صباحا ومرحبا بكم من عمان مع استعراض لبعض ما ورد في كتاب «حكايا الحسين مع الناس.. ملامح من خصوصية الاجتماع السياسي الأردني» لمؤلفه الزميل  أحمد أبو خليل، والصادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية الجامعة الأردنية.

يلتقي الجميع

وفي باب «الملك حسين في عيون من عمل معه» من كتاب «حكايا الحسين مع الناس» يقول الوزير الأسبق الشيخ مجحم حديثة الخريشة: عملت مع جلالة الحسين، رحمه الله، بشكل مباشر في التشريفات الملكية منذ عام 1971 وحتى عام 1974 وقد كنا مجموعة من الشباب نعمل في هذه الدائرة.. نراه عن قرب حين يحضر السفراء لتقديم أوراق اعتمادهم.. ونراه حين يستقبل النواب والأعيان والوزراء والسفراء والوفود الرسمية.. ونراه حين تأتي الوفود الشعبية من المحافظات وأبناء العشائر الذين يلتقي بهم رحمه الله وبشكل دائم..

التشريفات الملكية

وأضاف الخريشا: رأينا ولاحظنا بأم العين: أن الحسين رحمه الله يتعامل مع الجميع بمنطق الأب أو الأخ ورجل الدولة، حيث كان إنسانًا بالدرجة الأولى، يجامل ويساير الجميع وحسب مواقع هؤلاء الناس.. كنت قد استلمت رئيس تشريفات بالوكالة ليوم واحد، حيث كان رئيس التشريفات خارج البلاد ونائبه الأول لم يدوام في ذلك اليوم، وكان ترتيبي الثالث في سلم التشريفات، وعندما حضر جلالته طلبوا مني أن أجلس في مكتب رئيس التشريفات، وكان من عادته، رحمه الله، أن لا يخبر رجال الديوان الملكي بحضوره، وجدت نفسي رئيسا للتشريفات الملكية.. وفجأة وإذ بالمقسم يقولون إن «فلان باشا» يريد التحدث مع جلالة سيدنا، وكانت أية مكالمة لجلالته تمر عبر رئيس التشريفات الملكية، وكنت أعرف الباشا جيدا، وكان صديقًا لإخواني، وقد أخرج من مجلس الأعيان في عهد حكومة جديدة، فناشدني بوالدي وأهلي، فما كان مني إلا أن استأذنت بالدخول على جلالته، فسألني: ماذا هناك؟ فقلت له يا سيدي إن فلان باشا يصر على التحدث إليك، وشعرت بأنه يعرف ما سيقوله لأنه كان يعرفه تماما، فنظر إلي بعد فترة تفكير قليلة، وقال: «فليكن دعهم يحولون المكالمة».. مبتسما.. فعدت وقلت للمقسم حولوا المكالمة لجلالة سيدنا، واستمرت المكالمة أكثر من 7 دقائق كان جلالة الملك مستقبلًا لشتائم هذا الباشا على الحكومة التي أخرجته من مجلس الأعيان.. عندها علمت بأني أخطأت، لكنه لم يسألني ولم يعاتبني، وكل ما في الأمر أنه خرج من مكتبه غاضبا واتجه نحو مكتب رئيس الديوان.

قصة طريفة

ونوه الخريشا: في أحد اللقاءات العشائرية، كان هناك أحد الأشخاص المعروف لدينا ولدى جلالة سيدنا، وهو من الشخصيات الهامشية بالمنطق العشائري، لكنه يستغل أي ظرف ويحضر مع الشيوخ وبعد الغداء.. وقف جلالته للسلام عليهم وهو من بينهم، فسلم أول مرة وعاد وسلم مرة أخرى، وفي الثالثة كان الأخير، فقال له جلالته: لقد سلمت عليك أكثر من مرة.. فقال صحيح، و لكني بحاجة أن أطلب منك شيئًا، فقال له: تفضل. فقال: أرجوك وحدنا.. فقال له: ليس هناك أحد إلا رجال الديوان. وفعلًا لم يكن هناك إلا نحن، كـ»تشريفات»، ورئيس الديوان ورئيس الحكومة، فأخذه إلى طرف القاعة «السفرة»، فقال له: تفضل. فقال: يا سيدي أنا تزوجت منذ أربع سنوات، ولم يأتني أولاد وكنا نسمع الحديث كله، وحاولنا قبل ذلك أن نأخذه إلى الخارج ليذهب، و لكنه رحمه الله منعنا من ذلك.. لم أر الملك الحسين حيرانًا ولا يعرف ما يجيب هذا الشخص كما رأيته وقتها، وكان لزوما علينا أن نطلب منه مغادرة القاعة، وبدأ جلالته بالضحك؛ لأنه تفاجأ من منطق كهذا ومن هذا المطلب، وعلمنا فيما بعد أنه كان يريد أن يعالج حتى يأتيه أولاد، مع العلم أن لديه العديد من الأولاد والبنات من زوجات سابقات.. 

بمعية الأمير الحسن

ابومالك واصل سرد ذكرياته الجميلة وقال: انتقلت إلى مكتب سمو الأمير الحسن ـ رعاه الله ـ، وبدأنا بناء على أوامره أن نرتب جولات إلى المحافظات والمخيمات والعشائر، وبعد فترة لا بأس بها أخبرني أحد الضباط من الحرس الملكي، بأن هناك من يقول لجلالة سيدنا بأن مجحم الخريشة يعمل لمكتب الأمير الحسن، وعلى حساب الديوان الملكي. فاستغربت المقولة، وتأكدت منها، وكان لزاما علي أن أوضح الصورة، فطلبت من الأخ ينال حكمت رئيس التشريفات أن أقابل سيدنا.. وبعد ساعتين لا أكثر وإذا بهم ينادونني لأحضر، وقالوا: سيدنا يريد أن يراك، فدخلت وسلّمت عليه وابتسم لي، وترك مكتبه وجلس إلى جانبي، وقال: آه يا مجحم، شو في عندك؟ فقلت: يا سيدي نحن جزء من ديوانك العامر ونعمل بأمر من سيدي حسن.. إننا نعمل كموظفين في ديوان جلالة سيدنا وما فيه خدمة الناس والمحافظات، وكل الطلبات ترسل إلى رئيس الديوان الملكي، فابتسم رحمه الله وطمأنني وشكرني، فاستأذنت وخرجت.. كنت في الدرجة الثالثة أو الثانية، موظفا بسيطا، فلا يجلس على مكتبه بل يجلس إلى جانبي ويطمئنني. منتهى الحكمة والإنسانية التي كان يتمتع بها رحمه الله.

الرمز العظيم 

وختم الحريشا حديثه الشيق: وأخيرا كنا في الحكومة الأخيرة في عهده وعند وفاته رحمه الله. كنا نودع الرجل الرمز والعظيم الذي عشنا معه وبكنفه والذي بنى الأردن الحديث في كل المجالات، مستشفيات، طرقات، جامعات، بنية تحتية، والأهم بناء الإنسان الأردني على الاحترام والكرامة والإنسانية الذي هو رمزها رحمه الله.. أدركنا ونحن نستقبل في المطار زعماء العالم ليشاركوا في جنازته التي كانت بحق «جنازة العصر»، أننا ودعنا الإنسان والأب والرمز الذي لم يعرف الأردنيون غيره على مدى أكثر من 40 عاما.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير