جفرا نيوز -
عبدالرحمن الأمعري
في كرة القدم، هناك مدربون تُقاس قيمتهم بعدد البطولات التي حققوها، وهناك مدربون تتجاوز تجربتهم حدود النتيجة المباشرة، لأن أثرهم يمتد إلى بناء فريق، وتطوير جيل، وصناعة شخصية منتخب، وترك قاعدة يستفيد منها من يأتي بعدهم.
عدنان حمد ينتمي إلى الفئة الثانية.
فالرجل الذي خرج من سامراء، وحمل هويته العراقية باعتزاز، ترك خلال مسيرته بصمات واضحة في الكرة العراقية والأردنية، ولم تكن تجربته قائمة على البحث عن نتيجة عابرة بقدر ما ارتبطت بفكرة بناء الفريق والجيل والمنتخب.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة تجربته.
عدنان حمد.. صانع النجوم وباني المنتخبات.
لم يكن ينظر إلى اللاعب من خلال مستواه في اللحظة فقط، بل كان يحاول أن يرى ما يمكن أن يصبح عليه بعد عام أو عامين. وهذه واحدة من أصعب مهام المدرب؛ أن يمنح اللاعب الثقة والفرصة في الوقت المناسب، وأن يضعه داخل منظومة تساعده على التطور.
ومن الأسماء التي برزت ضمن أجيال المنتخب الأردني التي ارتبطت بمراحل من مسيرته، أسماء مثل يزن النعيمات، وعلي علوان، ونور الروابدة، ومهند أبو طه، وهي أسماء أصبحت لاحقًا جزءًا من المشهد الكروي الأردني.
ولا يعني ذلك أن مدربًا واحدًا يصنع مسيرة اللاعب بمفرده، فاللاعب نتاج منظومة كاملة من المدربين والأندية والأجهزة الفنية والإدارية، لكن قيمة المدرب تظهر في قدرته على رؤية الإمكانات، ومنح الفرصة، والمساهمة في تطوير اللاعب ضمن مشروع أكبر.
من العراق.. بدأت الحكاية
في الكرة العراقية، ارتبط اسم عدنان حمد بمحطات مهمة في مسيرة المنتخبات، وخصوصًا في مراحل بناء الأجيال التي صنعت لاحقًا واحدة من أكثر الفترات حضورًا في تاريخ الكرة العراقية.
وحقق حمد مع منتخب العراق للشباب لقب بطولة آسيا عام 2000، كما قاد المنتخب إلى نهائيات كأس العالم للشباب عام 2001، وهي محطات تؤكد أن تجربته لم تكن وليدة الصدفة، بل امتدت منذ مراحل الفئات العمرية وصولًا إلى المنتخبات الأولى.
وعندما نتحدث عن الجيل العراقي الذي أصبح لاحقًا جيلًا ذهبيًا، فإن أسماء مثل يونس محمود، ونشأت أكرم، ونور صبري، وعماد محمد، وغيرها من الأسماء الكبيرة، تفرض نفسها في ذاكرة الكرة العراقية.
أما كأس آسيا 2007، فلا بد من الإنصاف في قراءة تلك المرحلة.
البرازيلي جورفان فييرا هو المدرب الذي قاد العراق مباشرة إلى التتويج باللقب القاري، والإنجاز يُسجل له وللاعبين الذين حققوه داخل الملعب.
لكن صناعة الإنجاز لا تبدأ دائمًا من المباراة النهائية.
هناك مراحل من الإعداد، واختيارات، وتقييم للاعبين، ومعلومات فنية، وعمل تراكمي سبق البطولة. وكان عدنان حمد أحد الأسماء التي ارتبطت بتلك المرحلة، وتُذكر له مساهمة في ترشيح فييرا والتواصل معه وتزويده بمعلومات فنية عن المنتخب واللاعبين.
وهنا تظهر أهمية التفريق بين صاحب الإنجاز المباشر وبين من ساهم في تهيئة الظروف التي سبقت الإنجاز.
فالإنصاف لا ينتقص من فييرا، كما أنه لا يلغي مساهمة الآخرين.
الفيصلي.. محطة لا تُنسى
ومن العراق إلى الأردن، تأخذ قصة عدنان حمد بعدًا آخر.
مع الفيصلي، أحد أكبر أندية الكرة الأردنية وأكثرها حضورًا على الساحة العربية والآسيوية، كان حمد جزءًا من مرحلة تركت بصمتها في تاريخ النادي.
فالفيصلي في تلك الحقبة لم يكن مجرد فريق ينافس محليًا، بل كان حاضرًا في البطولات العربية والآسيوية، وحقق إنجازات وأدوارًا متقدمة رسخت صورة "الزعيم" على المستوى القاري.
ولهذا فإن الحديث عن تجربة عدنان حمد لا يكتمل دون التوقف عند علاقته بالفيصلي وجماهيره، باعتبارها واحدة من المحطات المهمة في مسيرته التدريبية.
ومع النشامى.. بناء شخصية المنتخب
ثم جاءت تجربته مع المنتخب الأردني، في مرحلة كان فيها النشامى يبحثون عن تثبيت حضورهم بين كبار القارة الآسيوية.
كان المطلوب آنذاك أكثر من مجرد تشكيل منتخب يخوض مباراة وينتظر نتيجتها؛ كان المطلوب بناء شخصية تنافسية، ورفع سقف الطموح، ومنح اللاعبين الثقة اللازمة لمواجهة منتخبات ذات تاريخ وإمكانات كبيرة.
وفي تلك المرحلة، حقق المنتخب الأردني نتائج لافتة أمام منتخبات آسيوية كبيرة، وبلغ نهائيات كأس آسيا، وظهر بصورة تنافسية جعلت المنتخب الأردني أكثر حضورًا واحترامًا على المستوى القاري.
وكان عدنان حمد أحد المدربين الذين ساهموا في وضع لبنات مهمة في هذا المسار.
ومن المهم هنا أيضًا أن تكون القراءة عادلة: التأهل التاريخي الأردني إلى كأس العالم جاء نتيجة تراكم طويل من العمل والجهد شارك فيه مدربون ولاعبون واتحاد وأجهزة فنية وإدارية على مدى سنوات، ولا يمكن اختزاله باسم مدرب واحد.
لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن عدنان حمد كان جزءًا من سلسلة البناء التي ساهمت في تطور شخصية المنتخب الأردني ورفع سقف طموحاته.
الإنجازات التي لا تظهر في الصورة
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في تجربة عدنان حمد.
فليست كل الإنجازات عبارة عن كأس تُرفع أمام الكاميرات.
هناك إنجازات أخرى لا تظهر في الصورة النهائية؛ لاعب يحصل على فرصته، جيل يكتسب الثقة، منتخب يطور شخصيته، وأسلوب عمل يترك أثره لمن يأتي بعده.
وهذه هي الإنجازات الخفية التي لا تحظى دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به البطولات.
فالمدرب قد لا يكون صاحب الكأس، لكنه قد يكون أحد الذين وضعوا حجرًا في البناء الذي أوصل إليها.
ومن هنا يمكن فهم عدنان حمد بوصفه مدربًا اهتم بالبناء بقدر اهتمامه بالنتيجة.
لماذا يعود اسم عدنان حمد كلما تعثر العراق؟
هذه هي المفارقة التي تستحق التوقف.
كلما تعثر المنتخب العراقي، يعود اسم عدنان حمد إلى النقاش، سواء بوصفه خيارًا تدريبيًا أو باعتباره مدربًا يمتلك معرفة عميقة بالكرة العراقية والمنطقة، وخبرة طويلة في التعامل مع المنتخبات واللاعبين.
وهذا لا يعني أنه فوق النقد، ولا أن كل خياراته كانت صحيحة.
فالمدرب يُحاسب على قراراته ونتائجه، ومن حق الجمهور أن يناقش اختياراته وتشكيلاته وقراءته للمباريات.
لكن هناك فرقًا بين النقد وبين إعادة كتابة التاريخ.
فالمرحلة الصعبة لا تلغي المرحلة الناجحة، والإخفاق في مباراة لا يمحو سنوات من العمل والإنجاز.
عدنان حمد.. عراقي الهوى وأردني الذكريات
عدنان حمد ابن سامراء، العراقي الذي يعتز بعراقيته، لكنه ترك في الأردن سنوات من العمل والذكريات والبصمات التي جعلته جزءًا من ذاكرة الكرة الأردنية.
ولهذا فإن تجربته لا يمكن اختزالها في محطة واحدة، ولا تقييمها من خلال آخر نتيجة فقط.
قد يختلف معه البعض.
وقد ينتقده آخرون.
وهذا حق مشروع في كرة القدم.
لكن الإنصاف يقتضي أن يُقرأ المدرب من خلال مجمل مسيرته، لا من خلال لحظة واحدة.
فعدنان حمد ليس فوق النقد، لكنه أيضًا ليس خارج التاريخ.
إنه مدرب ارتبط اسمه بالبناء قبل الاستهلاك، وبفكرة صناعة الفريق قبل البحث عن النتيجة السريعة.
وفي النهاية، قد يصنع مدرب بطولة، وقد يصنع آخر فريقًا، لكن القيمة الأكبر تظهر عندما يساهم المدرب في صناعة جيل كامل يواصل الطريق بعده.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة عدنان حمد:
صانع النجوم وباني المنتخبات.