جفرا نيوز -
محمد أبو رمان
ثمة رهان واضح على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في نهاية الشهر الحالي بأن تتمكن المعارضة ممثلة بآيزنكوت وبينيت ولبيد وغيرهم، من إلحاق الهزيمة بنتنياهو وإنهاء حقبة ارتبطت بحرب غزة، والانفجار الإقليمي، وصعود بن غفير وسموتريتش، وبأسوأ صورة وصلت إليها إسرائيل في العالم منذ عقود، وقد يكون ذلك مفهوماً تماماً؛ ماذا لو كان هذا التركيز على نتنياهو يخدعنا ويبعدنا عن المشكلة الحقيقية؟
بالضرورة ستبدو حكومة أخرى مختلفة؛ سنسمع لغة أقل استفزازاً، وتتراجع تصريحات بن غفير وسموتريتش، وتبذل الحكومة الجديدة جهداً لترميم العلاقات مع أوروبا واستعادة صورة إسرائيل بوصفها دولة «عقلانية» يمكن الحديث معها، لكن ماذا عن القضية الأساسية؟ هل ستوقف حكومة يقودها آيزنكوت أو بينيت الاستيطان؟ هل ستقبل بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، أم أن التغيير سيكون في اللغة والأسلوب أكثر منه في جوهر السياسة؟
يجيبنا عن ذلك مراد القاضي (الباحث المشارك في برنامج عدنان أبو عودة للدراسات الإسرائيلية والصهيونية)، في مقالٍ نشره معهد السياسة والمجتمع، بعنوان «الانتخابات الإسرائيلية القادمة وسقوط حكومة نتنياهو: هل تُغيّر المعارضة السياسة الإسرائيلية أم تعيد إنتاجها؟»، إذ قام باختبار سلوك المعارضة التصويتي الفعلي في الكنيست تجاه الدولة الفلسطينية والضفة الغربية والقدس والضم ومشروع E1 وتلخّصت النتيجة بأنّ المسافة بين القوى الرئيسية المرشحة لخلافة نتنياهو وبين حكومته في هذه الملفات ليست بالاتساع الذي توحي به خلافاتها الداخلية؛ فالمعارضة قد تختلف في توقيت الضم وكلفته الدولية وطريقة إدارة العلاقة مع واشنطن وأوروبا، لكنها لا تقدم في معظمها تحولاً جوهرياً تجاه الدولة الفلسطينية أو الاستيطان والكتل الاستيطانية الكبرى.
أيها السادة دعونا نسمّي الأمور بمسمياتها إنّ المشكلة الحقيقية تكمن في جوهر المشروع الصهيوني نفسه وبالمعادلة الديمغرافية التي رافقته منذ بداياته: كيف يمكن بناء دولة ذات أغلبية يهودية على أرض يعيش عليها شعب آخر؟ عبارة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، التي ارتبطت بجانب من الخطاب الصهيوني المبكر، اختزلت وجود الفلسطينيين، فيما حضرت فكرة «نقل السكان» أو الـTransfer مبكراً داخل النقاش الصهيوني، وإن اختلفت التيارات والقيادات حولها وحول وسائلها.
نعم تغيرت الأدوات واللغة والظروف الدولية، إلاّ أنّ معضلة الأرض والديمغرافيا بقيت في صلب الصراع: لم تكن إسرائيل كتلة واحدة بالطبع، وظهرت داخلها تيارات وقادة سعوا إلى تسويات بدرجات مختلفة، لكن حتى إسحاق رابين، الذي ذهب بعيداً في فتح مسار سياسي مع الفلسطينيين ودفع حياته ثمناً في مواجهة التطرف الإسرائيلي، لم يصل إلى صيغة الانسحاب الكامل إلى حدود 1967 وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
في المقابل لم يخترع نتنياهو الاستيطان، ولم يبدأ الاحتلال في عهده، ولم يولد الصراع على القدس معه. حكومات سبقته، بما فيها حكومات حزب العمل، شاركت في بناء المستوطنات وخلق الوقائع على الأرض؛الفارق أن نتنياهو واليمين الديني قالا بصوت مرتفع ما كانت السياسة الإسرائيلية تستطيع في مراحل سابقة تغليفه بلغة أكثر مرونة.
تتمثل المفارقة في أن حكومة نتنياهو قدمت، من حيث لا تريد، هدية ثمينة للفلسطينيين؛ كشفت أمام العالم جوانب كانت الدبلوماسية الإسرائيلية قادرة على إخفائها خلف حديث السلام والتسوية وحل الدولتين، وانعكس ذلك في عزلة إسرائيل الدولية المتزايدة، وفي التحولات الأوروبية والغربية، وفي تراجع قدرة الرواية الإسرائيلية على الهيمنة كما كانت سابقاً.
ماذا لو رحل نتنياهو وجاءت حكومة أكثر ذكاء في التعامل مع العالم؛ تتحدث عن السلام، وترفض الضم العلني، وتستبدل لغة بن غفير وسموتريتش بلغة الأمن والمفاوضات، من دون تغيير جوهري على الأرض؟ قد تخرج إسرائيل عندها من عزلتها، بينما لا يخرج الفلسطينيون من أزمتهم، وتتحسن علاقاتها مع أوروبا ويصبح الدفاع عنها أسهل في واشنطن، ثم نعود مرة أخرى إلى انتظار «عملية سلام» بلا نهاية، بينما يستمر الاستيطان وتتآكل الأرض.
لا يعني ذلك أن بقاء نتنياهو أفضل، ولا أن الفروق بينه وبين خصومه شكلية؛ هي موجودة ومهمة، لكن الرهان على تغيير رئيس الحكومة باعتباره مدخلاً تلقائياً لتغيير السياسة الإسرائيلية يعيد إنتاج وهم قديم، والركض وراء السراب مرّة أخرى!