اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

جيسي أبو فيصل.. حين تصبح السنوات في عمّان جزءًا من الذاكرة

الأحد-2026-10-04 10:53 am
جفرا نيوز -
من بيروت جاءت... وفي عمّان تركت صوتًا وذكريات وأهلًا، واليوم تعود إلى أمها، فيما تبقى عمّان على موعد معها من جديد.

هناك أشخاص لا تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تعرف قيمتهم، وهناك أشخاص تمضي معهم السنوات دون أن تشعر أنها مضت أصلًا. وجيسي أبو فيصل كانت من أولئك الذين مرّوا في تفاصيل الحياة الأردنية بخفة، لكنهم تركوا أثرًا أثقل من الغياب.

جيسي لم تكن بالنسبة لنا مجرد مذيعة لبنانية اختارت أن تعمل في الأردن؛ كانت صوتًا ألفته الأذن الأردنية، وحضورًا دخل البيوت من بوابة الإذاعة، واستقر في الذاكرة من دون ضجيج.

من صباحات الإذاعة إلى أمسيات «ميلودي»، ظل صوتها حاضرًا في تفاصيل يوم الأردنيين؛ بصوتها، بعفويتها، بخفة ظلها وخفة دمها، وبذلك الأسلوب الذي جعل المستمع يشعر أنها لا تتحدث إليه من خلف ميكروفون، بل تجلس معه على فنجان قهوة وتشاركه حكاية اليوم.

والأجمل أن جيسي لم تكن تحاول أن تكون قريبة من الناس... كانت قريبة منهم أصلًا.

حتى مشاكساتها الكروية كانت جزءًا من الحكاية. جيسي المدريدية كانت تعرف كيف تدخل إلى قلب الجمهور الأردني من بوابة ريال مدريد، وكيف تحوّل الاختلاف في كرة القدم إلى ضحكة، والمناكفة إلى محبة، والمنافسة إلى مساحة أخرى من الألفة.

ومرت السنوات...

الغريب أن سنوات جيسي في عمّان تبدو اليوم، ونحن نستعيدها، وكأنها لم تكن سنوات أصلًا؛ كأنها أيام معدودة مرّت بسرعة، لكنها حملت في داخلها ما يكفي من الذكريات حتى تبقى أطول من الزمن نفسه.

جاءت جيسي من بيروت، لكنها مع مرور الوقت أصبحت واحدة من وجوه عمّان. لم تعد المدينة مجرد محطة في مسيرتها، ولم يعد الأردن مجرد مكان للعمل؛ صار بيتًا آخر، وصارت لها هنا وجوه تحفظها، وأصدقاء يفتقدونها، وذكريات لا تستطيع حقيبة سفر أن تحملها كلها.

واليوم، حين تختار جيسي العودة إلى بيروت، فإنها لا تغادر لأنها تعبت من المكان، ولا ترحل لأنها نسيت عمّان؛ هي ببساطة تعود إلى المكان الأول الذي لا ينافسه أي مكان آخر...

إلى الماما.

وهنا، أمام الأم، تسقط كل الحسابات.

تسقط المسافات، وتسقط المواعيد، وتسقط فكرة الغياب نفسها.

فالأم لا تنتظر كثيرًا، وحضنها لا يعوّضه وطن، ولا مدينة، ولا نجاح، ولا شهرة، ولا سنوات من العمل.

ولهذا، يا جيسي، اذهبي إلى بيروت بقلب مطمئن.

اذهبي إلى الماما، وخذي معها كل الوقت الذي سرقته منك السنوات، واجلسي بقربها كما يجب أن تجلس الابنة إلى جانب أمها، فاللحظات مع الأمهات لا تُؤجَّل، وبعض المواعيد إذا تأخرت لا تعوّضها الأيام.

أما عمّان، فلا تقلقي عليها.

عمّان لا تنسى من أحبها.

هذه المدينة التي احتضنتك، وسمعت صوتك صباحًا ومساءً، وعاشت معك تفاصيل سنواتك، وضحكت معك، وسمعت منك حكاياتك، وشاركتك حتى مشاكساتك المدريدية... ستبقى تعرفك، وستبقى لك فيها حكاية لا تنتهي بانتهاء الرحلة.

ومن عمّان، أقول لكِ يا جيسي:

لسنا من الذين يودّعون من أحبوا... نحن فقط نترك لهم موعدًا مفتوحًا للعودة.

اذهبي إلى بيروت، فهناك أم تنتظرك، وهناك حضن يستحق أن تختصر الدنيا كلها من أجله.

أما هنا، في عمّان، فسنقولها كما يليق بك:

إلى لقاء آخر، يا جيسي أبو فيصل.

فمن بيروت لأهلها، ومن عمّان لأهلها...
ومن الأرز إلى الزيتون، تبقى المحبة أكبر من الحدود، وأبقى من المسافات.

وسلّميلي على الماما كثير...

وتوت... توت... توت...

القطار هذه المرة إلى بيروت،
أما عمّان... فستبقى تنتظر عودتك.



بقلم : عبدالرحمن الامعري
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير