جفرا نيوز -
بقلم عبد الرحمن الأمعري
في زمن أصبحت فيه كلمة «عاجل» أسرع من الخبر نفسه، صار بإمكان أي شخص أن يكتب سطرين، يضع عنواناً نارياً، ويضيف عبارة «مصدر خاص»… ثم ينتظر حتى تبدأ الهواتف بالرنين!
وهكذا، وقبل أن تبرد فنجان القهوة، يصبح صاحب المنشور صحفياً… على الأقل حتى إشعار آخر!
لكن الصحافة ليست مسابقة: من ينشر أولاً؟، القصة أكبر من ذلك بكثير.
في زمن السوشال ميديا، أصبح الهاتف غرفة أخبار متنقلة، وأصبحت مجموعات الواتساب أحياناً وكأنها وكالات أنباء عالمية، والمصدر «المطّلع» موجود في كل مكان… لكن الغريب أنه دائماً يرفض الكشف عن اسمه!
وأحياناً يكون هذا المصدر «المطّلع» جالساً في آخر القهوة يسمع حديثاً من الطاولة المجاورة!، وهنا نتذكر قصة الراعي والذئب.
ظل الراعي يصرخ: «الذئب… الذئب!» حتى فقد أهل القرية ثقتهم به؛ وعندما جاء الذئب فعلاً، لم يعد أحد يركض لإنقاذه.
الحكاية قديمة، لكنها تصلح تماماً لدرس في الصحافة الحديثة؛ فالخبر غير الدقيق قد يصنع ضجة، والمنشور الكاذب قد يحصد آلاف المشاهدات، لكن الصحفي الذي يكرر ذلك يخاطر بشيء أهم من المشاهدات: ثقة القارئ.
والثقة لا تُبنى بمنشور واحد، ولا بعنوان أحمر، ولا بعشرات علامات التعجب؛ الثقة تُبنى بالبحث، والتقصي، والتحري، والتحقق، وهنا تحديداً يظهر الفرق بين من يريد أن يكون أول من ينشر، ومن يريد أن يكون أول من يتأكد؛ فبعض الأخبار تحتاج إلى أقل من دقيقة حتى تنتشر، بينما تحتاج الحقيقة أحياناً إلى اتصالات ومصادر وتدقيق وتحقيق… وربما كوب قهوة ثانٍ!.
والقارئ الأردني اليوم أصبح أكثر وعياً، يفتح هاتفه، يتنقل بين عشرات الصفحات، يقرأ العنوان، ثم يسأل السؤال الذي أصبح مزعجاً لبعض أصحاب الأخبار: «طيب… وين المصدر؟»، وهذا السؤال بحد ذاته تطور مهم في وعي الجمهور.
القارئ لم يعد يريد فقط أن يعرف ماذا حدث، بل يريد أن يعرف أيضاً: هل ما حدث صحيح؟، ومن هنا، أصبحت جفرا نيوز حاضرة في المشهد الإعلامي الإلكتروني الأردني، كمنصة يتابع من خلالها القارئ أخبار المجتمع والشارع الأردني، وما يدور في الملفات والقضايا التي تهم الناس.
قد يفتح المواطن هاتفه صباحاً، وقبل أن يسأل: «شو الجديد؟»، تتجه عينه إلى العنوان الرئيسي في جفرا نيوز، بحثاً عن آخر الأخبار وما يدور حوله في المجتمع الأردني.
وهنا تكمن أهمية الصحافة المحلية: أن تكون قريبة من الناس، وأن تحمل أخبارهم وقضاياهم، وأن تلتقط ما يتحرك في نبض الشارع الأردني.
ولجفرا نيوز كتاب وصحفيون، ولها أخبار وتقارير ومواد إعلامية، لكن القيمة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية لا تكون في كثرة العناوين فقط، بل في قدرتها على التعامل مع المعلومة بمسؤولية، والتحقق منها قبل تقديمها للقارئ.
فالإشاعة اليوم تركض بسرعة البرق.
مرة الذئب في النادي، ومرة في الوزارة، ومرة في السوق، ومرة «مصدر خاص يؤكد»… وبعد ساعتين يظهر التوضيح: «نعتذر… الخبر غير دقيق».
وهنا يكون القارئ قد شرب قهوته، وتوتر، وناقش أصحابه، وأرسل الخبر إلى ثلاث مجموعات واتساب… ثم اكتشف أن الذئب كان مجرد إشاعة!.
لهذا، فإن الصحافة الحقيقية ليست في رفع الصوت، ولا في ضخامة كلمة «عاجل»، ولا في عدد علامات
التعجب، ولا في تحويل كل رسالة واتساب إلى سبق صحفي.
الصحافة الحقيقية ببساطة:
أن تعرف… ثم تتحقق… ثم تسأل… ثم تنشر.
فالصحفي لا يبيع خبراً فقط؛ هو يبني ثقة.
والثقة مثل الزجاج؛ قد تحتاج سنوات حتى تبنيها، لكنها قد تتحطم بمنشور واحد.
وقد تختلف الآراء حول العناوين والتغطيات والمقاربات الإعلامية، وهذا أمر طبيعي في أي مشهد صحفي حي، لكن المبدأ المهني يبقى واضحاً:
لا تجعل «عاجل» بديلاً عن «صحيح».
فالسبق الصحفي الحقيقي ليس أن تصل قبل الجميع بخمس دقائق، وإنما أن تصل بالمعلومة الصحيحة في الوقت الذي يصل فيه الآخرون إلى مرحلة التصحيح.
وربما يكون أذكى صحفي في زمن السرعة هو الذي يستطيع أن يقول:
«لحظة… خليني أتأكد قبل ما أنشر».
لأن الذئب قد يظهر فعلاً ذات يوم…
وحينها لن تنفع كثرة الصراخ إذا كانت القرية قد فقدت ثقتها بالراعي.
أما الصحافة التي تحترم عقل القارئ، فبوصلة طريقها واضحة:
تقصٍّ… تحرٍّ… تحقق… ثم نشر.
وفي النهاية، هناك قاعدة بسيطة تصلح لكل صحفي ولكل قارئ:
إذا أردت أن يصدقك الناس عندما يظهر الذئب فعلاً… فلا تجعل كل يوم عندك ذئباً جديداً! 🐺😂
فالخبر أمانة، والثقة مسؤولية، والقارئ ليس مجرد «مشاهدة» في عداد الإحصائيات.
إنه إنسان يريد أن يعرف الحقيقة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للصحافة.