جفرا نيوز -
مضى شهر على رحيلك يا شقيق الروح.. ثلاثون يوماً مرت كدهر من الوجع، فلا القلب استوعب نزعك من دنياي، ولا الشوق خمدت نيرانه.
مَأْمُونُ يَا قِطْعَةً مِنْ رُوحِنَا ذَهَبَتْ .. فَكَيْفَ أَرْثِيكَ وَالْغَصَّاتُ تَكْوِينَا؟
خَرَجْتَ لِلْفَجْرِ تَرْجُو اللَّهَ فِي طُهْرٍ .. فَجَاءَنَا الطَّيْشُ بِالْأَحْزَانِ يُؤْذِينَا
دُونَ رُخْصَةٍ اغْتَالَكَ الْمُسْتَهْتِرُ غَدْرًا .. فَأَمَاتَ بَهْجَةَ بَيْتٍ كَانَ يَحْوِينَا
أَطْفَأَ نُورَ عُمْرٍ فِي غَمْضَةِ عَيْنٍ .. وَأَوْرَثَ الْقَلْبَ جُرْحًا لَيْسَ يَشْفِينَا
فكيف للعقل أن يستوعب فظاعة ما جرى! أو يصدق أنَّ سرعة جنونية من عابث مستهتر لا يحمل رخصة قيادة، قد صدمتك في عتمة الفجر فتفيض روحك النقية إلى بارئها هكذا في لمح البصر بدون وداع، ليدفن هذا الطيش الأعمى فرحة عائلة كاملة كان حضورك ضياءها.
بأَيِّ ذنبٍ تصبُّ الأقدارُ في صدري هذا الكسر؟! يداي اللتانِ زيَّنتَا ليلةَ حنَّتكَ وعرسكِ بالفرحِ بالأمسِ القريبِ، هما نفساهما اللتانِ تزرعانِ الورودَ اليومَ أمامَ قبركَ! رحلت في عز شبابك يا شقيق روحي، وتركتني مشلولة أمام هذا الفقد العصيف.
أتعلم يا شقيق عمري؟ أنا منذ رحيلك لم أعد حية.. أنا جثة تائهة فوق الأرض، بينما روحي دفنت معك تحت الثرى. فإن الوجع الذي استوطن قلبي بعد غيابك هو أثقل من أن يحتمل! كم كنت تردد دائما وتناديني: "مونو دلوعة العيلة"، واليوم دلوعتك يا مأمون لا تقوى على مجابهة هذا المصاب العظيم؛ فحجم هذا الفقد فاق حدود استيعاب عقلي وقلبي، هذا الفقد أكبر مني ومن طاقتي يا مأمون.
كيف لقلبي أن يستسلم لحقيفة غيابك؟! فمن شدة هذا الفقد العصيف بات خافقا بالإنكار، يرفض بشدة أن يصدق الواقع، فيظل ينتظر طيفك ويترقب خطاك عند الباب كأنك لم ترحل. لكن عقلي، كلما واجهني بالحقيقة المرة، مزق أحشائي وأيقظ في صدري غصة تذوي لها النفس كمداً.
وهل تعلم أنني ما زلت ألوذ بالفرار من هذا العالم، وأتحصن بالصمت تهرباً من رسائل التعزية وكلمات المواساة التي تعجز روحي عن الرد عليها؟ فكل كلمة عزاﺀ هي خنجر يوقظني على واقع أرفض العيش فيه دونك.
فكيف أقنع قلبي بتبديل دعائي لك؟ وقد اعتاد لساني طوال سنوات عمرنا أن يقول لك دائماً: "حفظك الله ورعاك، الله يخلي لي إياك، وتعيش وتضل تدللني"، فكيف أمحو عادات قلبي في غمضة عين؟! فأنا تخنقني الغصة كلما هممت أن أقول "رحمك الله".
أنا راضية بمشيئة الله ومؤمنة بقضائه، لكنني واهنة، منكسرة، وموجوعة وجعاً يفوق طاقة البشر. نم يا شقيق روحي بحسن خاتمتك التي تليق بطهرك، فقد مضيت إلى ربك في أطهر الأوقات وأنت في طريقك إلى صلاة الفجر، ورحلت خفيفاً نقياً لتبقى حسرة غيابك جرحاً لا يندمل في قلوبنا، ولا يداويها إلا أمل اللقاء الذي لا فراق بعده في الجنة.
اللهم ارحم فقيد روحي «مأمون»، من جمع في شبابه طهارة النفس ونبل الشمائل؛ فكان مثالا للابن البار، وعنوانا للأخ الحنون، وزوجا وأبا فاضلا يفيض قلبه عطفا ورعاية.
اللهم اغفر لمن عاش في الدنيا خفيف الأثر، نقي السريرة، عطر السيرة، وصاحب دين وخلق قويم، أودع محبته في قلب كل من عرفه. اللهم عوض شبابه بالفردوس الأعلى من الجنة، واجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجعل له نصيبا عظيما من مغفرتك ورضوانك، رحمة تسكن بها روحه، وتطمئن بها نفسه.
اللهم أنعم علي بلقائه في جنتك، من غير حساب ولا سابق عذاب. يا رب، اجمعني به في الجنة