جفرا نيوز -
بقلم: محمد أبو سماقة
حين خطّ العبقري الفرنسي فيكتور هوجو روايته الملحمية «البؤساء» عام 1862، لم يكن يكتب مجرد حكاية مشوقة عن سجين هارب وشرطي يطارده، بل كان يؤسس نصًا إنسانيًا وفلسفيًا كبيرًا يضع الفقر والظلم والقانون والرحمة والضمير الإنساني في مواجهة مفتوحة.
وفي قلب هذه الملحمة يقف «جان فالجان»؛ الرجل الذي يخرج من السجن حاملًا وصمة الماضي، ويحاول أن يصنع من حياته الجديدة فعل خلاص، فيما يطارده المفتش «جافير» بوصفه التجسيد الصارم لقانون لا يرى الإنسان خلف الجريمة.
لهذا لم تبقَ «البؤساء» حبيسة فرنسا القرن التاسع عشر، ولم يبقَ جان فالجان شخصية فرنسية خالصة؛ فقد تحولت الرواية، بما تحمله من أسئلة كبرى، إلى مخزون إنساني عالمي عابر للثقافات والجغرافيا والأزمنة.
وعند قراءة عدد من التجارب الدرامية العربية، وخصوصًا السورية، يمكن ملاحظة حضور هذه الروح بأشكال متفاوتة: مرة عبر الاقتباس الواضح والمباشر، ومرة عبر التقاطع الموضوعي، ومرة ثالثة عبر شخصيات تبدّل أسماءها وملابسها وبيئاتها، لكنها تحتفظ بشيء من سؤال جان فالجان القديم: هل يستطيع الإنسان أن يبدأ حياة جديدة، أم أن ماضيه سيظل يطارده إلى الأبد؟
«ليل المسافرين».. حين دخل جان فالجان البيئة المحلية
يأتي مسلسل «ليل المسافرين» عام 2000 بوصفه النموذج العربي الأكثر وضوحًا في استلهام «البؤساء». كتب العمل قمر الزمان علوش وأخرجه أيمن زيدان، ونُقلت أحداثه إلى بيئة تاريخية محلية خلال الفترة الممتدة بين 1890 و1916.
هنا يظهر «شاكر الكوراني»، الذي جسده عباس النوري، بوصفه المعادل الدرامي الأوضح لجان فالجان. يدخل السجن ظلمًا، ويعيش القهر والمطاردة، ثم يخرج إلى الحياة محاولًا بناء هوية أخرى ومفهوم آخر للعدالة.
ولا تكمن أهمية التجربة في تغيير الأسماء والأماكن، بل في قدرة العمل على نقل السؤال الهوجوي الكبير إلى بيئة مختلفة: ما الفرق بين القانون والعدالة؟ وهل يكفي تطبيق القانون كي يكون المجتمع عادلًا؟
وفي الجهة المقابلة يأتي «عزمي»، الذي أداه زهير رمضان، ليشكّل قوة المطاردة التي تستحضر، في جانب من بنيتها الدرامية، نموذج «جافير» وإصراره على ملاحقة الماضي مهما تبدلت حياة الإنسان.
وبذلك لم يكن «ليل المسافرين» مجرد استنساخ لرواية عالمية، بل محاولة لتوطين أسئلتها وإعادة اختبارها داخل مجتمع وزمن مختلفين.
«شارع شيكاغو».. أصداء الهامش والمطاردة والحب المستحيل
بعد عشرين عامًا تقريبًا، جاء «شارع شيكاغو» للمخرج محمد عبد العزيز في فضاء مختلف كليًا. لا نتحدث هنا عن اقتباس معلن من «البؤساء»، وإنما عن تقاطعات يمكن للقراءة النقدية أن تلتقطها.
يدور العمل بين ستينيات القرن الماضي والزمن المعاصر، ويذهب إلى الأماكن الهامشية والشخصيات القلقة والمطاردين والمنكسرين والعلاقات التي تصطدم بالسلطة والمجتمع.
ويمثل «مراد عكاش»، الذي قدمه مهيار خضور في شبابه وعباس النوري في كهولته، نموذجًا للبطل الذي يحمل ذاكرته وندوبه عبر الزمن، بينما تتحول علاقته بـ«ميرامار» إلى أحد محاور الصراع مع عالم أكبر من الفرد ورغباته.
التقاطع هنا ليس في تطابق الحكاية مع «البؤساء»، بل في المناخ الإنساني: شخصيات على حافة المجتمع، حب مهدد، سلطة ومطاردة، وأفراد يحاولون انتزاع حقهم في الحياة داخل عالم لا يمنحهم هذا الحق بسهولة.
وهذا تحديدًا أحد أسرار الأعمال الأدبية الكبرى؛ فهي لا تعيش فقط عندما نعيد رواية أحداثها، بل عندما تبقى أسئلتها قادرة على الظهور في حكايات جديدة.
«النويلاتي».. جان فالجان في ظلال الحارة الدمشقية
وفي «النويلاتي» عام 2026، من كتابة عثمان جحا وإخراج يزن هشام شربتجي، ننتقل مرة أخرى إلى بيئة تاريخية شامية تقوم على صناعة النسيج والحرير وعلاقات الحارة وموازين القوة داخلها.
ويتقدم سامر المصري بشخصية «فيصل الغواص»؛ وهي شخصية تحمل بعض السمات التي تسمح بقراءتها ضمن النموذج الإنساني الذي كرسته «البؤساء»: السجن، القسوة، العودة إلى مجتمع تبدلت علاقاته، ومحاولة الإنسان البحث عن موقع جديد وسط منظومة اجتماعية شديدة التعقيد.
لكن قيمة «النويلاتي» ليست في السؤال عن مدى قربه أو بعده عن رواية هوجو، بقدر ما هي في ملاحظة أن صورة الإنسان الخارج من القهر ليصطدم مجددًا بالبنية الاجتماعية ما زالت قابلة لإعادة التكوين دراميًا.
يتبدل الزمان، وتتغير المهن والأزياء والحارات، لكن الصراع بين الضعيف والقوي، وبين من يمتلك النفوذ ومن يبحث عن العدالة، يظل حاضرًا.
«مولانا».. القناع الذي يتحول إلى مصير
أما «مولانا» عام 2026، من قصة لبنى حداد وإخراج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن، فيفتح بابًا أكثر إثارة للتأمل في الصلة مع النموذج الهوجوي، من دون الحاجة إلى اعتباره اقتباسًا مباشرًا.
«جابر جاد الله» رجل يفر من ماضٍ ثقيل، وينتحل هوية شخص آخر، ثم تقوده هويته الجديدة إلى مجتمع يحتاج إلى الأمل وإلى شخص يعلق عليه خلاصه.
وهنا تقترب المفارقة من واحدة من أهم أفكار «البؤساء»: ماذا يحدث حين يبدأ الإنسان حياته الجديدة باسم ليس اسمه، ثم تصبح أفعاله الجديدة أكثر حقيقة من هويته القديمة؟
جان فالجان عاش زمنًا باسم «مادلين»، وأصبح في هويته الجديدة صاحب مكانة وفعل اجتماعي، قبل أن يظل الماضي يطارده.
وجابر في «مولانا» يدخل بدوره في معادلة الهوية المستعارة التي تتحول بالتدريج إلى مسؤولية أخلاقية؛ فالرجل الذي بدأ هاربًا يكتشف أنه أصبح مطالبًا بحماية الآخرين، وأن القناع الذي ارتداه طلبًا للنجاة قد يفرض عليه حياة لم يكن يخطط لها.
إنها ليست الحكاية ذاتها، لكنها واحدة من أجمل المفارقات التي تركها أدب هوجو للعالم: قد يبدأ الإنسان هاربًا من ذاته، ثم يجد ذاته الحقيقية في الطريق الذي اختاره للهروب منها.
من الاقتباس إلى التناص
المشكلة في قراءة الأعمال العالمية داخل الدراما العربية أننا نسارع أحيانًا إلى سؤال واحد: هل العمل مقتبس أم غير مقتبس؟
لكن النقد الحقيقي أوسع من ذلك.
هناك اقتباس مباشر، وهناك استلهام، وهناك تناص، وهناك ببساطة أفكار إنسانية كبرى أصبحت جزءًا من الذاكرة السردية العالمية.
ومن هنا لا ينبغي وضع «ليل المسافرين» و«شارع شيكاغو» و«النويلاتي» و«مولانا» في الدرجة نفسها من العلاقة مع «البؤساء». الأول يمتلك علاقة اقتباسية واضحة، بينما يمكن قراءة الأعمال الأخرى من زاوية التقاطع مع بعض الأسئلة والبنى والنماذج الإنسانية التي جعلت رواية هوجو حية حتى اليوم.
وهذا التمييز لا يضعف الفكرة، بل يجعلها أكثر دقة.
حين يصبح الفن مشروعًا للوعي
إن استعادة الروائع الأدبية الكبرى لا ينبغي أن تكون تمرينًا فنيًا أو ترفًا إنتاجيًا. فالأدب العظيم يمنح الدراما فرصة لمناقشة أسئلة المجتمع الأكثر عمقًا: الفقر، العدالة، الرحمة، العقاب، التوبة، السلطة، الكرامة، وحق الإنسان في فرصة ثانية.
ومن هنا تصبح الثقافة جزءًا من التنمية، لا قطاعًا هامشيًا ملحقًا بالترفيه.
فنحن بحاجة إلى دراما لا تكتفي بإشغال وقت المشاهد، وإنما توسع أسئلته، وتعيد تعريف علاقته بالإنسان الآخر، وخصوصًا ذلك الإنسان الموجود على الهامش؛ الفقير والمطارد والمنبوذ والمخطئ الذي يريد أن يبدأ من جديد.
لقد كان هوجو يعرف، قبل أكثر من قرن ونصف القرن، أن الفقر ليس مجرد نقص في المال، وأن الظلم ليس مجرد خطأ في تطبيق القانون؛ فكلاهما قادر على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع.
ولهذا ما زالت «البؤساء» تُقرأ وتُمسرح وتُغنى وتُصوّر حتى اليوم.
خلاصة نقدية
قد تتبدل أسماء جان فالجان.
قد يصبح «شاكر الكوراني»، أو نلمح ظله في بطل هارب آخر، أو في رجل يخفي اسمه الحقيقي، أو في إنسان يحاول أن يتحرر من ماضٍ يصر على ملاحقته.
وقد يتغير «جافير» أيضًا؛ فلا يعود مفتشًا فرنسيًا يرتدي معطف الشرطة، وإنما يصبح مؤسسة أو سلطة أو مجتمعًا أو ذاكرة لا تغفر.
لكن السؤال يبقى واحدًا:
هل يُعرَّف الإنسان بما ارتكبه في لحظة من حياته، أم بما يستطيع أن يصنعه بعد تلك اللحظة؟
هنا تحديدًا تكمن خلود «البؤساء».
فعبقرية فيكتور هوجو لم تكن فرنسية الهوية، بل إنسانية الجوهر. والإنسان المطارد، والفقر الذي يجرح الكرامة، والبحث المضني عن الخلاص، والصراع بين القانون والرحمة، قضايا لا تعترف بالحدود.
لهذا لا يموت جان فالجان.
إنه يبدّل اسمه فقط، ويغيّر ملابسه، ويعبر الأزمنة والبلدان، ثم يظهر من جديد في حارة أو قرية أو مدينة عربية ليذكرنا بأن «البؤساء» ليست حكاية انتهت عام 1862، بل سؤال مفتوح سيبقى حيًا ما دام هناك مظلوم يبحث عن العدالة، وإنسان يطلب فرصة ثانية، ومبدع يؤمن بأن للكلمة والصورة قدرة على إضاءة العتمة.
* كاتب دراما وسيناريست