اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

المغطس.. حين يصبح المكان رسالة

الإثنين-2026-09-28 09:46 am
جفرا نيوز -
محمد أبو رمان

يمثل افتتاح جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية خطوة تتجاوز، في دلالاتها، إضافة مؤسسة جديدة إلى خريطة التعليم العالي في الأردن؛ فالجامعة أقيمت في موقع عمّاد السيد المسيح، أحد أكثر المواقع المسيحية قداسة ورمزية في العالم، والمدرج منذ العام 2015 على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

يتجاوز  السؤال الحقيقي  الجامعة وحدها إلى ما يمكن أن تصبح عليه خلال الأعوام المقبلة، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه في إعادة تعريف موقع المغطس نفسه، أردنياً وإقليمياً وعالمياً .. ستبدأ الجامعة، بطبيعة الحال، بأعداد محدودة، إذ تبلغ طاقتها الحالية أربعين طالباً مقيماً، مع إمكانية الدراسة عن بُعد، لكن مثل هذه المشاريع لا تقاس بحجمها في لحظة التأسيس، بل بالمسار الذي يمكن أن تتطور إليه.

الجامعة مؤسسة غير ربحية أسستها بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، وتطرح برنامجاً متعدد التخصصات يجمع اللاهوت والفلسفة والقانون واللغات، بالإضافة إلى برامج ماجستير في القانون الكنسي والروحانية الأرثوذكسية والحوار والروحانية المقارنة بين المسيحية الأرثوذكسية والإسلام. وهي بداية يمكن البناء عليها باتجاه هوية أكاديمية أوسع، تجعل من الجامعة فضاءً لدراسة الدين والفلسفة والأخلاق والحوار بين الأديان.

تكمن القيمة المضافة الكبرى في المكان؛ فالمغطس ليس مجرد عنوان جغرافي للجامعة، بل ينبغي أن يصبح جزءاً من فلسفتها ورسالتها، إذ ثمة فارق بين أن يكون المكان المقدس مقصداً للزيارة والحج، وأن يتحول، إلى جانب ذلك، إلى فضاء حي للمعرفة والتأمل والحوار، يعيش فيه الطلبة والباحثون ويتدارسون النصوص والأديان والفلسفات والأسئلة الأخلاقية الكبرى، فلقد أدرجت الجامعة ضمن برامجها دراسة «الكتب العظيمة»، بما يفتح الباب أمام تصور يتجاوز التعليم اللاهوتي بالمعنى الضيق إلى الاشتباك مع التراث الإنساني والفلسفي الأوسع.

يمكن البناء على ذلك بصورة أكثر طموحاً، بأن تتحول الجامعة تدريجياً إلى مركز إقليمي لدراسات الأديان والحوار الديني والفكر الأخلاقي؛ لا يقتصر نشاطه على منح الدرجات الجامعية، بل يستضيف علماء اللاهوت والأديان والفلاسفة والباحثين المسلمين والمسيحيين واليهود، وينظم مدارس صيفية ومؤتمرات دولية وبرامج للباحثين الشباب، ويؤسس كراسي أكاديمية للحوار الإسلامي–المسيحي ولدراسة المسيحية العربية والمشرقية، ومركزاً متخصصاً في دراسات الحج والمقدسات والتراث الديني.

يكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة إذا وضعناه في سياق رسالة عمّان والدور الذي حاول الأردن أن يقدمه، خلال العقود الماضية، في الدفاع عن الاعتدال الديني والاعتراف بالتعددية واحترام الاختلاف. فالمطلوب اليوم هو الانتقال بهذه الرسالة من مستوى الخطاب والمبادرات إلى بناء مؤسسات معرفية مستدامة؛ والجامعة تستطيع أن تكون إحدى هذه المؤسسات، وأن تمنح الفكرة الأردنية في الحوار الديني والتعددية بعداً أكاديمياً وبحثياً دولياً، لا يقوم على الوعظ بقدر ما يستند إلى المعرفة والنقاش العلمي والفلسفي العميق.

تبدو الحاجة إلى ذلك أكثر إلحاحاً في اللحظة الإقليمية الراهنة، مع العودة المأزومة للهويات الدينية والمذهبية والعرقية إلى المجال السياسي، وتحولها في حالات كثيرة إلى أدوات للصراع والتعبئة والاستقطاب. تكمن المفارقة في أن الأديان، التي تمتلك مخزوناً أخلاقياً وإنسانياً هائلاً، يمكن أن تتحول، حين تدخل في حسابات القوة والصراعات السياسية، من فضاء للتساؤل الأخلاقي والحوار حول معنى الإنسان والحياة والعدالة، إلى حدود صلبة بين الجماعات، ومصادر للشرعية السياسية، وأدوات لتعبئة المخاوف المتبادلة وصناعة صور العدو.

يتطلب نجاح هذه الرؤية، في المقابل، ألا تبقى الجامعة جزيرة أكاديمية منفصلة عما حولها. لذلك تبدو مبادرة إحياء الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، وما يرتبط بها من تطوير للبنية التحتية والخدمات والحج المسيحي والترويج العالمي للمغطس، فرصة للنظر إلى المنطقة بوصفها مشروعاً متكاملاً: موقعاً للحج والعبادة، وجامعة للمعرفة والحوار، وفضاءً ثقافياً وروحياً، وبنية تحتية تستقبل الزائر والباحث والحاج والطالب.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير