جفرا نيوز -
في المنطقة الحرة بالزرقاء، تصطف أكثر من ألف سيارة كهربائية لم تتحرك منذ أشهر. لا عيب فيها، ولا مخالفة في استيرادها، لكنها وجدت نفسها أسيرة فجوة نشأت بين رزنامة حكومية أجازت استيرادها، وتعليمات لاحقة لم تُعالج وضعها بوضوح، فبقيت عالقة بين تاريخين لم يلتقيا.
أصل القصة
منذ عام ٢٠٢٠ شهد الأردن توسعًا ملحوظًا في استيراد السيارات الكهربائية، في وقت لم تكن فيه منظومة تشريعية ناضجة ومستقرة تنظم هذا القطاع الوليد. ومع توسع السوق أخذت الحكومة تُجري تعديلات متتالية على التعليمات الناظمة للاستيراد، غير أن هذه التعديلات، وفق مستوردين في القطاع، لم تأتِ دائمًا متدرجة وواضحة المعالم، فتداخلت التعليمات القديمة مع الجديدة وأربكت السوق.
في أيار ٢٠٢٤ أصدرت الحكومة رزنامة شاملة لاستيراد السيارات الكهربائية الجديدة والمستعملة، اعتمد عليها المستوردون في بناء خططهم التجارية وقراراتهم الاستثمارية. وبموجب هذه الرزنامة كانت سيارات موديل ٢٠٢٤ مؤهلة للدخول إلى السوق الأردنية اعتبارًا من 1 كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٦، وفق آلية احتساب تقوم على سنة التصنيع والموديل والاستخدام.
لكن تجدر الإشارة هنا إلى تفصيل جوهري في هذا الملف يتعلق بما يُسمى في التعليمات "سيارات مستعملة"، إذ أن تعبير "السيارات المستعملة" لا يعني بالضرورة سيارات سبق استخدامها فعليًا، فقد تكون السيارة جديدة تمامًا بعداد "صفر"، لكنها تقع ضمن التصنيف التنظيمي للمستعملة. وهذا التفصيل تحديدًا صار لاحقًا قلب الأزمة.
قرار يقلب المعادلة
في ٢٨ يونيو ٢٠٢٥ صدر قرار حكومي جديد ألغى العمل بالرزنامة السابقة وأدخل القطاع في منظومة تنظيمية جديدة. التعليمات الجديدة منحت المستوردين مهلة لتسوية أوضاعهم تنتهي في ١ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٥، وخلال هذه الفترة نجح المستوردون في إدخال نحو ٩٠ ألف سيارة من موديلات ٢٠٢٣ وما قبلها.
لكن سيارات موديل ٢٠٢٤ وقعت في منطقة رمادية لم تعالجها التعليمات الجديدة بوضوح. فالرزنامة القديمة كانت تحدد موعد إدخالها بعد ١ كانون الثاني/ يناير ٢٠٢٦، بينما المهلة الجديدة تنتهي في ١ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٥. وبذلك وجد المستورد نفسه أمام معادلة مستحيلة؛ تتمثل في أنه مطالَب بإدخال سيارته قبل انتهاء المهلة، لكن الرزنامة التي استورد على أساسها هذه السيارات من موديل 2024 لا تُجيز إدخالها إلا بعد انتهاء تلك المهلة بشهرين.
محاولات حل لم تُكتمل
لم ينتظر المستوردون حتى انتهاء المهلة. فبعد أيام من صدور تعليمات حزيران/ يونيو ٢٠٢٥ تقدموا بطلبات رسمية إلى وزارة الصناعة والتجارة ومؤسسة المواصفات والمقاييس مطالبين لمعالجة وضع سياراتهم العالقة.
ويقول المستوردون إن وزيري المالية والصناعة والتجارة قدما مقترحات لحل القضية، وإن توصيات صدرت لصالح المعالجة، إلا أن لجنة التنمية الاقتصادية أوقفت الحل في كل مرة، في مفارقة لافتة مع تصريحاتها المُعلنة التي تدعم الاستقرار التشريعي وحماية حقوق التاجر والمستهلك على حد سواء.
الثمن الذي يدفعه الجميع
الأرقام تُقدَّر بنحو ١٥ إلى ٢٠ مليون دينار قيمة السيارات العالقة، وهي استثمارات مجمّدة لا تُولّد أي عائد وتتراكم عليها تكاليف التخزين يوميًا. وفي الوقت ذاته تخسر الخزينة العامة جراء ذلك إيرادات جمركية وضريبية كان يمكن تحقيقها لو جرى التخليص عليها. وأكثر من ٢٥٠ موظفًا تتهدد وظائفهم مع استمرار هذا الانسداد.
حاول أصحاب السيارات البحث عن مخرج بديل عبر إعادة التصدير إلى أسواق مجاورة كالعراق وسوريا وغيرهما، غير أن محدودية هذه الأسواق وظروفها جعلت هذا الخيار غير قابل للتطبيق، فبقيت السيارات في المنطقة الحرة.
ما تكشفه القضية
وهكذا بقيت أكثر من ألف سيارة في المنطقة الحرة، لا لأنها غير صالحة للسوق، ولا لأن أصحابها استوردوها خارج إطار التعليمات النافذة وقت التعاقد، وإنما بسبب فجوة نشأت بين رزنامة سمحت بالاستيراد، وتعليمات لاحقة حددت موعدًا أقرب للإدخال، من دون أن تعالج بوضوح وضع السيارات التي يقع موعد دخولها بين التاريخين.
القضية في جوهرها ليست خلافًا بين مستوردين وحكومة. هي كاشف حقيقي لإشكالية بنيوية في إدارة قطاع ناشئ؛ فحين تتغير القواعد بسرعة تفوق قدرة السوق على التكيف، ودون آلية انتقالية واضحة تحمي الالتزامات القائمة، يدفع المستثمر الملتزم ثمن فجوة لم يصنعها.
السيارة التي تستغرق رحلة استيرادها أشهرًا، من التعاقد إلى الشحن إلى الوصول، لا يمكن أن تكون رهينة لتاريخ صدور تعميم لم يكن في الحسبان.
لا تزال في المنطقة الحرة السيارات الألف عالقة تنتظر حلًا يضع نهاية لهذا التعارض؛ وينتظر أصحابها، منذ أكثر من عام، أن تتحول الوعود والمعالجات الإدارية إلى قرار يسمح بإدخالها إلى السوق.
المشكلة التي بدأت بتعديل التعليمات لم تعد اليوم مجرد خلاف على رزنامة استيراد، وإنما أصبحت اختبارًا لمبدأ استقرار التشريعات، والقدرة على معالجة آثار القرارات الحكومية عندما تتقاطع مع التزامات تجارية اتخذها القطاع قبل تغيير القواعد.