جفرا نيوز -
الدكتور نضال المجالي
الكل كتب عن خطاب جلالة الملك في الأمم المتحدة. كتبوا ماذا قال، وماذا أراد أن يقول، والرسائل السياسية والإنسانية التي حملها الخطاب إلى العالم، وما بين السطور وخلف الكلمات.
أما أنا، فهذه المرة قررت أن أترك الكلمات جانبًا قليلًا، وأن أراقب الملك. لا أكتب بصفتي خبيرا في لغة الجسد، ولا متخصصا في علم الكاريزما، ولا أستاذا في فنون الخطابة والاتصال.
بالعكس، أكتب كمواطن أردني يتابع ويقرأ ويكتب أحيانا، وأكتب، قبل كل ذلك، كأردني يعشق الملك.
ربما لهذا السبب كانت عيني تذهب إلى تفاصيل مختلفة: الطلة، والهيبة، وطريقة الوقوف، ونبرة الصوت، واختيار الكلمات، وذلك الهدوء الذي يسبق الجملة أحيانا. كنت أراقب حركة اليد وإصبع الشاهد بالتحديد عندما يريد أن يؤكد فكرة، والنظرة عندما يريد أن يوصل معنى، والتوقف القصير بين جملة وأخرى.
قد تبدو هذه تفاصيل صغيرة، لكنها في عالم الخطابة ليست صغيرة أبدا. فالرسالة لا تصل بالكلمات وحدها؛ أحيانا تصل بطريقة الوقوف، أو بنظرة، أو بحركة يد واحدة في المكان الصحيح، وأحيانا، وهذا هو الأصعب، بالصمت.
ما لفتني في الملك هو الثقة؛ ثقة لا تبدو مصطنعة، ولا تحتاج إلى رفع الصوت أو كثرة الحركة أو محاولة مستمرة لإثبات الحضور.
هناك من يقف أمام الكاميرا فيحاول أن يجذب انتباهها، وهناك من يقف أمامها فتجد الكاميرا نفسها تبحث عنه. وهذه واحدة من أكثر الصور التي بقيت في ذهني: قاعة تضم العالم، ووجوه كثيرة، ولغات مختلفة، وكاميرات من كل الاتجاهات. ومع ذلك، تعرف العين سريعا أين تستقر.
على المتحدث. الملك. ليس لأن أحدا طلب منك أن تنظر إليه، بل لأن الحضور يفعل ذلك. وهنا ربما تكمن الكاريزما الحقيقية، فالكاريزما ليست أن تملأ المكان حركة، بل أن تملأه حضورا، أن تعرف متى تحرك يدك ومتى تتركها ساكنة، ومتى تنظر مباشرة، ومتى تبتسم، ومتى تتوقف، ومتى تقول جملة هادئة ثم تتركها تفعل ما يجب أن تفعله.
وهذا النوع من الحضور لا يمكن أن تصنعه الكلمات وحدها، إنه يحتاج إلى شخصية، وثقة بالنفس، وخبرة، وإحساس عميق بالمكان الذي تقف فيه وبالرسالة التي تحملها. والملك، عندما يقف أمام العالم، لا يبدو وكأنه يبحث عن مكانه على المنصة. هو يعرف مكانه. وربما لهذا لا تشعر أنه يحاول صناعة صورة؛ فالصورة موجودة، ولا تشعر أنه يحاول صناعة الهيبة؛ فالهيبة موجودة، ولا تشعر أنه يطلب من الكاميرا أن تمنحه الاهتمام؛ فالكاميرا تمنحه إياه.
وهنا يصبح الفرق واضحا بين الاستعراض والحضور. الاستعراض يقول: انظروا إليّ. أما الحضور الحقيقي فيقول، من دون أن ينطق: أنا هنا.
وأعتقد أن أجمل ما في المشهد أن لغة الجسد كانت تسير مع لغة الخطاب، لا أمامها ولا خلفها، الكلمات هادئة، والحركة هادئة، والجملة محسوبة، والإشارة محسوبة، والنظرة في مكانها.
وكأن هناك حوارا آخر يجري بصمت بين الملك والكاميرا والقاعة والمتلقي؛ حوارا لا يحتاج إلى مترجم. وهنا بدأت أسأل نفسي: لماذا، وسط كل هذا الزحام، تنتهي العين إليه؟ لماذا، عندما تتحرك الكاميرا، نتابعها؟ ولماذا، عندما يتحدث، ننتبه وكل القاعة حتى إلى التفاصيل الصغيرة في يديه ونظراته؟ قد يقول المتخصص إن للأمر تفسيرا في علم الاتصال ولغة الجسد والكاريزما، وقد تكون هناك عشرات الدراسات التي تشرح ذلك. أما أنا، كمواطن، فأملك تفسيرا أبسط: لأن الحضور يُشعَر به ولا يُشرَح.
وعندما يكون المتحدث هو ملك الأردن، فالأمر بالنسبة لنا يتجاوز المشهد المهني أو البروتوكولي، نحن لا نرى شخصا يقف على منصة دولية فقط؛ نرى بلدا يقف معه، ونرى صورة الأردن، ونرى سنوات من الحضور والخبرة في التعامل مع العالم، ونشعر نحن الأردنيين، بشيء ربما لا يستطيع التحليل السياسي أن يشرحه بالكامل. شيء اسمه الفخر.
لهذا لم أكن أبحث في الخطاب عن أكثر جملة تصلح للاقتباس، بل كنت أبحث عن الصورة التي ستبقى في الذاكرة بعد أن تنتهي الكلمات، وربما ستبقى عندي صورة واحدة: ملك الأردن واقف بثبات، يتحدث بهدوء، يحرك يده في اللحظة المناسبة، ينظر بثقة، وتتحرك الكاميرات نحوه. وبقية العالم… يتابع.
قد لا أكون متخصصا في لغة الجسد، لكنني أعرف لغة أخرى؛ لغة المواطن عندما يرى ملك بلاده واقفا أمام العالم. ولهذا، هذه المرة، لم أتابع خطاب الملك فقط. تابعت لماذا يتابعه العالم. وربما كان الجواب أمامي منذ اللحظة الأولى: لأن بعض الأشخاص، عندما يقفون أمام العالم، يحتاجون إلى أن يصنعوا حضورهم، وبعضهم لا يصنع الحضور… بل يحضر، فيصنع المكان.