جفرا نيوز -
فرح حامد سمحان
بعد ما حظي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة 81 بإصداء عالية، ووصل بأكمله إلى دولة الإجرام إسرائيل التي تريد خطابات عادية لا ترقى إلى مستوى بشاعة أفعالها، فإنه حان الوقت الآن لتفكيكه؛ إذ لم يمضِ على إلقائه 24 ساعة، ومع هذا تزلزل مقر الأمم المتحدة في قلب ضاحية مانهاتن في نيويورك بأوصاف وتعبيرات من قائد عاش التفاصيل بأكملها، ويعرف خبث وفضاعة الاحتلال.
بالمجمل التحليل السياسي سيركز على دفاع الملك عبدالله الثاني عن القضية الفلسطينية وقطاع غزة، وأنه حث العالم على فكرة الابتعاد عن التعامل معهما كقضيتين منفصلتين، ثم الحديث عما يحدث في دول الجوار، وهذا ليس جديدًا ولا مستغربًا، فملك الأردن كما تحب الصحافة الأجنبية تسميته، أكثر من استخدم طلاقته في اللغة الإنجليزية من القادة العرب؛ حتى يوصل الرسالة إلى قادة الغرب وبعض من يدعمون الاحتلال منهم بلغتهم، وليفهموا أن ما يجري في العالم أخطر مما يظنون، وأن المبادئ والقيم والاتفاقيات الدولية لا يمكن أن تتجزأ عندما يتعلق الأمر بفلسطين والقضايا العربية ، والملك قالها بكل الاشكال ليس أمس ولا قبله بل منذ سنوات، أي أن خطاب جلالته أمس أبعد من أن يُفهم على أنه مجرد توبيخ لكيان بليد، أو انتفاضة غضب مؤقتة.
وبصراحة ودون مكياج رخيص، قال الملك إن أمن سوريا من أمن الأردن، ولا أحد يعرف ويفهم أطماع الكيان المحتل يمكن أن يخاله الشك يومًا بأن حكومة نتياهو ستترك سوريا وشأنها، ثم انتقل الملك إلى الحديث عن لبنان واليمن والسودان، وتطرق إلى إيران والعراق عندما أشار إلى أن السلام بينهما وبين إسرائيل كان عرضًا في مبادرة السلام العربية عام 2002 لكن الأخيرة رفضته؛ لتستمر بإقناع العالم بذرائع وحجج واهية، والحقيقة بين الأسطر وأعلنها عبدالله الثاني ملك الأردن "أرض الحشد والرباط"، أن إسرائيل تريد تحويل الصراع معها إلى صراع ديانات، لكن الجميع من مسلمين ومسيحين في فلسطين يتعرضون للعنف والتنكيل بحقوقهم، فهل الدين هو حجة إسرائيل؟ إذا كان كذلك فكل عربي مسلم مثلا يؤمن بالديانة اليهودية لكن لن يكون هناك إيمان بكيان ديدنه القتل والإرهاب.
من هنا وضع الملك النقاط على حروف الحقيقة التي يتجاهلها الكيان، وهم يعلمون أن صراعنا معهم لا يتجزأ عن عقيدة الدين والأرض، ومن يظن أنهم سيتخلون عن أطماعهم فهو واهم، وبالمناسبة مصطلح الأوهام الذي تطرق إليه الملك عبدالله الثاني عندما قال إن على العالم التخلي عن بعض الأوهام إذا حُل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن عاديًا، وإذا عندما تقع بمحل الشرط تفيد وقتها تحقق الفعل، لكن إمارة الاستخدام هنا تبين صراحة أنه لا سلام ولا حلول عند إسرائيل سوى استمرار الحروب والانتهاكات، وبناء المستوطنات التي تظن أن من خلالها ستختزل الشرعية الفلسطينية بوطن مستقل.
الملك في خطابه هذه المرة لم يتطرق فقط إلى تشتت انتباه العالم عن ويلات وكوارث ستجره مستقبلًا إلى ما هو أعظم، ولم يزاود على معاناة وألم الشعوب كما يفعل بعضهم؛ إذ كان صريحًا إلى حد كبير حتى أنه رفض تسمية الأشياء بغير مسمياتها، فإسرائيل هي الاحتلال، والمقتول شهيد، ومن هجر من أرضه قسرًا مظلوم، أما عندما يصل الأمر إلى حقوق الإنسان فإن كل موازين القوى تعمل من إجل إثبات أن لهذا الكيان الحق في الدفاع عن نفسه، وأعلنها الملك بقوله إن القرارات عندما تصل إلى إسرائيل تصبح حبرًا على ورق، وبهذا اختصر ما يمكن أن يقوله القادة والممثلين من 193 دولة.
الملك خاطب العالم بكل لغاته، وتخطى جغرافيا الأماكن إلى ما هو أبعد من ذلك، لكن عندما وصل إلى الحديث عن الأردن اختلفت اللهجة التي كانت تخاطب العقول والضمائر إلى كلمات حادة لا يمكن التهاون معها ولا المساومة عليها، الحدود الشمالية والأمن المائي خطوط حمراء واضحة كالشمس، والمساس بهما يعني فتح بوابة حرب جديدة في دولة هي الآن عمود ارتكاز المنطقة المشتعلة من كل حدب وصوب، ومع هذا القائد أعلنها من نيويورك حيث اتجهت أنظار العالم أجمع، بأن الأردن سيحمي أمنه ومصالح شعبه، ومياهه، ولن تحلم إسرائيل بشبر واحد من أي شيء تملكه الأردن ويقع ضمن حدودها، الجيش العربي موجود، والأجهزة الأمنية تعمل على صفيح ساخن، والشعب مترابط، وكلهم يقفون خلف الملك، هذا واضح كالشمس يا "إسرائيل"!