جفرا نيوز -
خاص
على مشارف الصمت، يقف الوطن شامخاً، لا تهزه همسات العابرين ولا تنال من هيبته أصوات تتنقل بين الصالونات السياسية ودهاليز المواقع، تحمل كلاماً ملوثاً بالشك، وتنفخ في رماد الإشاعة، وتريد أن تجعل من الضجيج حقيقة ومن التلميح موقفاً ومن السمّ رأياً.
لقد مللنا أولئك الذين يتعاملون مع الدولة وكأنها مادة للمساومة، ومع مؤسساتها وكأنها ساحة لتصفية الحسابات، ومع المعلومة وكأنها ورقة في سوق المصالح، ينسجون الروايات في الغرف المغلقة، ثم يخرجون بها إلى الناس بثوب التحليل، وما هي إلا خليط من الظنون والأجندات ومحاولات العبث بالثقة العامة.
الدولة ليست منشوراً عابراً، ولا جلسة في صالون، ولا حديثاً يتناقله المتنقلون بين المكاتب،، الدولة تاريخٌ ومؤسساتٌ وشرعيةٌ وقانون، وجيشٌ وأجهزةٌ ومواطنٌ دفع من عمره وماله وأمنه ثمناً لكي يبقى هذا الوطن واقفاً على قدميه، ومن يختلف مع قرار فليختلف، ومن يرى خللاً فليضع يده عليه، أما تحويل الاختلاف إلى تشويه، والنقد إلى تحريض، والمعلومة إلى سمّ يُدس في الكلام، فذلك ليس شجاعة ولا معارضة ولا رأياً؛ بل عبثٌ بثقة الناس.
أيها الواقفون على أرصفة الكلام، الذين يظنون أن كثرة الهمس تصنع حجماً، وأن كثرة الظهور تصنع قيمة، وأن الاقتراب من بعض الدوائر يمنح صاحبه حق توزيع شهادات الوطنية… اهدأوا قليلاً. فالتاريخ لا يكتب أسماء الذين أكثروا الضجيج، بل يحفظ من وقف عندما كان الصمت أسهل، ومن قال الحقيقة عندما كان التملق أكثر ربحاً.
نحن لا ندافع عن أشخاص، ولا نمنح أحداً صكوكاً مفتوحة، وإنما ندافع عن الدولة ومؤسساتها وهيبتها وحق المواطن في معرفة الحقيقة بعيداً عن التزييف، والنقد المسؤول ضرورة، بل هو جزء من قوة الدولة؛ لكن بين النقد والتشهير مسافة، وبين الرأي والتضليل هوة، وبين المعارضة الوطنية ومحاولات نثر السموم في المجالس والصالونات فرق يعرفه من يملك حساً وطنياً ومسؤولية الكلمة.
أما الأقلام التي جعلت من المصلحة العامة مهنة، ومن الإشاعة سلعة، ومن التشكيك رأس مال، فنقول لها، لا تراهنوا على ذاكرة قصيرة، فالوقت كفيل بأن يفرز الغث من السمين، ويضع كل كلمة في سياقها، وكل موقف في موضعه، وكل صاحب ادعاء أمام ما قاله وما فعل، وأقولها بلا مواربة ولا مداراة: أقعد يا ولد… فالدولة ليست ملعباً لصغار الكلام، والوطن ليس حائطاً تعلقون عليه خيباتكم، ومؤسسات الدولة أكبر من أن تهزها جلسة في صالون أو همسة في دهليز.
اختلفوا كما شئتم، ناقشوا كما تشاؤون، انتقدوا كما يقتضي الواجب، لكن حين تصلون إلى الوطن ومؤسساته وثقة الناس، تذكروا أن للكلمة ثمناً، وأن للتاريخ ذاكرة، وأن الأردن أكبر من كل صالوناتكم، وأبقى من كل ضجيجكم، فالوطن لا يحتاج مزيداً من المتحدثين باسمه… بقدر ما يحتاج رجالاً يعرفون متى يتكلمون، ومتى يصمتون.