جفرا نيوز -
أ.د. بيتي السقرات / الجامعة الأردنية
في كل مرة يقف فيها جلالة الملك عبدالله الثاني أمام العالم، ينشغل كثيرون بما قاله. لكن خطاب اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يستحق سؤالًا آخر، أكثر قربًا منا وإلحاحًا: ماذا يمكن أن نتعلم نحن من طريقة الملك في حمل مسؤولية الوطن؟
فالخطاب لم يكن مجرد عرض لمواقف الأردن من فلسطين وأزمات المنطقة، بل كان نموذجًا في كيفية الجمع بين الثبات على المبدأ، وحماية المصلحة الوطنية، والهدوء في مواجهة الأزمات، والإصرار على أن يبقى الإنسان محور السياسة.
الملك تحدث بوضوح عن القضية الفلسطينية، وعن حقوق الشعب الفلسطيني، وعن القانون الدولي، وفي الوقت نفسه وضع أمن الأردن وحدوده ومياهه في إطار واضح باعتبارها جزءًا من الأمن الوطني. هذه ليست ازدواجية؛ بل مسؤولية تعرف كيف تحمي المبدأ والمصلحة معًا.
وفي زمن تختلط فيه أحيانًا الجرأة برفع الصوت، يقدم الخطاب نموذجًا مختلفًا: أن تقول ما تؤمن به بوضوح، وأن تدافع عن موقفك بثبات، وأن تترك للحجة والقانون مساحة للكلام. فالقوة لا تحتاج إلى ضجيج.
والأردن يعيش في منطقة مثقلة بالحروب والاضطرابات، ومع ذلك لا يقدّم نفسه دولة تنتظر انتهاء الأزمات حتى تبدأ ببناء المستقبل. والرسالة الأهم هنا لنا جميعًا: لا تنتظر الظروف المثالية حتى تعمل؛ فالأوطان تتقدم عندما يعمل أبناؤها رغم صعوبة الظروف.
وربما الدرس الأكبر أن المسؤولية أكبر من المنصب. فالإنسان في موقع المسؤولية لا يُقاس بما يملك من صلاحيات، وإنما بما يتركه من أثر. الأستاذ الجامعي، والطبيب، والمعلم، والموظف، والحزبي، والنائب، والشاب، والمرأة، كل واحد منهم يستطيع أن يكون جزءًا من صورة الأردن التي نريدها.
إذا كان الملك يحمل صورة الأردن أمام العالم، فعلينا أن نحمل صورة الأردن في مواقعنا. أن نحترم القانون لأننا نؤمن به، لا لأن أحدًا يراقبنا. أن نختلف دون أن نتخاصم. أن ننتقد دون أن نهدم. أن نختلف سياسيًا دون أن نختلف على الوطن. وأن نرفض الفساد في مواقعنا الصغيرة قبل أن نتحدث عن محاربته في المواقع الكبيرة.
والأجمل في خطاب اليوم أنه لم يجعل الأردن مجرد دولة تعيش وسط الأزمات، بل دولة تحاول أن تصنع لنفسها مكانًا في المستقبل، من خلال الدبلوماسية والعمل والشراكات والتنمية، بالتوازي مع حماية مصالحها الوطنية.
لهذا، ربما لا تكون أفضل طريقة للاحتفاء بخطاب الملك أن نصفه بأنه «قوي» أو «تاريخي» ثم ننتقل إلى خبر آخر. الأفضل أن نسأل أنفسنا: هل نستطيع أن نحول بعض ما يقوله الملك إلى سلوك؟
فالقدوة ليست صورة معلقة على جدار، ولا خطابًا نصفق له. القدوة سلوك. وإذا كان جلالة الملك قد وقف اليوم أمام العالم مدافعًا عن الأردن ومبادئه وقضايا أمته، فإن مسؤوليتنا نحن أن نقف في مواقعنا اليومية بالطريقة نفسها: بضمير حي، وانتماء حقيقي، وعمل صادق، واحترام للآخر، وإيمان بأن الأردن لا يُبنى بالكلمات وحدها.
ليس المطلوب أن نكون ملوكًا. المطلوب أن نكون على قدر الوطن الذي نحمله في قلوبنا. وهنا تحديدًا يصبح خطاب الملك أكثر من خطاب في الأمم المتحدة؛ يصبح دعوة لنا جميعًا لأن نكون قدوة في مواقعنا، وأن نسأل قبل أن نطالب الآخرين بالعطاء: ماذا قدمنا نحن؟
فالأردن الذي نريده غدًا لن يصنعه خطاب واحد، مهما كان مهمًا. سيصنعه الأردني الذي يخرج من هذا الخطاب وهو يقول: سأفعل شيئًا… لأن هذا وطني.
وسأفعل شيئًا… لأن هذا مليكي الذي أفخر به، وأعتز بأنه يحمل اسم الأردن عاليًا في كل محفل، ويدافع عن قضايا أمته بثبات، ويقف إلى جانب شعبه في كل أزمة قبل أن يقف أمام العالم. فكيف لا نبادله العطاء بعطاء، والوفاء بوفاء؟
يا مليكي، كما تحمل أنت راية الأردن أمام العالم، سنحملها نحن في مدارسنا وجامعاتنا ومستشفياتنا ومكاتبنا ومصانعنا وحقولنا. وكما تدافع أنت عن اسمنا وسمعتنا، سندافع نحن عن وطننا بأخلاقنا وعملنا وإتقاننا. وكما تبقى أنت في الميدان من أجلنا، سنبقى نحن في مواقعنا من أجلك ومن أجل هذا الوطن الذي يستحق منا كل شيء.
لأننا لا نفتخر بك بالكلام فقط… بل نفتخر بك بالأفعال.