جفرا نيوز -
يحيى الحموري
قرأت مقالك عن مؤتمر حزب الأمة، فخرجت منه بسؤال واحد لا عن الحزب، بل عنك:
هل كنت تقرأ ما جرى في المؤتمر، أم كنت تستدعي ما جرى في الماضي لتكتب به عن الحاضر؟
فالانتخابات التي جرت لم تكن وحدها عنوان المؤتمر؛ انتخب الحزب أمينا عاما جديدا، وانتخب 21 عضوا مكملا لمجلس الشورى، وقدم نفسه أمام الرأي العام بخطاب يتحدث عن الشراكة الوطنية والإصلاح والعمل الدستوري.
قد نختلف مع الحزب في تفسير ذلك كله.
بل من حقنا أن نشكك، وأن نسأل، وأن نطالب بالدليل.
لكن الفرق كبير بين أن تسأل الحزب: ماذا تغير؟ وبين أن تقرر مسبقا: لم يتغير شيء.
الأولى صحافة وسياسة.
والثانية حكم قبل المحاكمة.
تسألهم عن مراجعة الفكر، وعن البرلمان، وعن الفساد، وعن الحريات، وعن بنية الحزب، وعن علاقته بالماضي.
أسئلة مشروعة.
لكن اسمح لنا بالسؤال المقابل:
أين مراجعتك أنت؟
أين مراجعة الذين قضوا أعمارهم في السياسة ثم اكتشفوا، كلما تبدلت المواقع، أن الديمقراطية جميلة جدا حين تفتح لهم أبوابها، وقاسية جدا حين تغلق أبوابها؟
لماذا تكون مراجعة الآخرين واجبا وطنيا، بينما مراجعة الذات ترفا لا ضرورة له؟
ولماذا يصبح تاريخ الخصم ملف اتهام، فيما يصبح تاريخ الصديق أرشيفا للنسيان؟
هذه ليست أسئلة هامشية. إنها جوهر المسألة.
يا بسام،
الأردن ليس حلبة يتبارى فيها السياسيون على من يملك النسخة الأكثر نقاء من الوطنية.
الوطنية ليست بطاقة عضوية.
والإصلاح ليس ملكية فكرية.
والديمقراطية ليست إرثا سياسيا تنتقل مفاتيحه من جيل إلى جيل.
ومن يرفع راية الحداثة عليه أن يحتمل اختلاف الآخرين.
ومن يطالب بالمراجعة عليه أن يقبل بأن تمتد المراجعة إلى صفحاته هو.
ومن يفتح دفاتر الماضي، فليكن مستعدا لأن تفتح الذاكرة دفاتره أيضا.
فالذاكرة الأردنية ليست انتقائية
أما حزب الأمة، فليسمع ما نقوله دون مجاملة:
تغيير الاسم لا يكفي.
والانتخابات لا تكفي.
والبيانات لا تكفي.
والمنصات الرقمية لا تكفي.
إذا أراد الحزب أن يقنع الأردنيين بأنه دخل مرحلة جديدة، فعليه أن يثبت ذلك في الفكر والممارسة والبرنامج والسلوك.
ليثبت أن التنظيم أصبح حزبا وطنيا برامجيا.
ليثبت أن القرار الحزبي مستقل.
ليثبت أن المعارضة تتحول إلى سياسة لا إلى صراخ.
ليثبت أن البرلمان عنده أداة تشريع ورقابة، لا منصة خطاب.
وليقدم للأردنيين شيئا أهم من كل الشعارات:
مشروعا قابلا للحياة.
وهنا فقط يصبح الحكم ممكنا.
لا بالنيات.
ولا بالتخمين.
ولا بتاريخ قديم.
بل بالفعل.
لكن يا بسام، هناك سؤال أكبر من حزب الأمة كله.
أي أردن نريد؟
أردنا الذي يخاف من اختلاف أبنائه؟
أم أردنا الذي يستطيع أن يحتوي اختلافهم؟
دولة لا تسمح إلا بصوت واحد؟
أم دولة قوية إلى الحد الذي يجعلها قادرة على سماع الأصوات المختلفة دون أن تهتز؟
إن الدولة الواثقة لا تخاف من حزب.
والحزب الواثق لا يخاف من النقد.
والكاتب الواثق لا يحتاج إلى شيطنة خصمه كي يقنع القارئ.
أما الدولة فلا تحميها الشتائم، ولا تهدمها المقالات؛ الذي يحميها عدل مؤسساتها، وصلابة دستورها، ووعي شعبها، وصدق رجالها.
وأنت تتحدث عن "الدولة العميقة”.
فلنترك المصطلحات الكبيرة جانبا.
في الأردن دولة لها دستور ومؤسسات وقيادة وجيش وأجهزة وقضاء وبرلمان وحكومة وإدارة عامة.
وفي كل دولة مراكز نفوذ وتوازنات ومصالح.
فسم الأشياء بأسمائها.
قدم الوثيقة.
اذكر الواقعة.
حدد المسؤولية.
واقترح البديل.
أما أن نضع كل ما لا يعجبنا تحت عباءة "الدولة العميقة”، فنحن لا نفسر الدولة؛ نحن نخلق شبحا سياسيا ونطلب من الناس أن يخافوا منه.
يا بسام،
لقد عشت طويلا في السياسة بما يكفي لأن تعرف أن المواقع تتغير.
والوجوه تتغير.
والتحالفات تتغير.
والأحزاب تتغير.
وحده الوطن لا يتغير.
ولهذا لا أريد أن أدخل معك في معركة شتائم.
الشتيمة سهلة، أما محاصرة الفكرة فصعبة.
ولا أريد أن أقول عنك إنك كذا أو كذا.
أريد فقط أن أضع مقالك أمام سؤال واحد:
هل تستطيع أن تقيس الآخرين بالمسطرة نفسها التي تقيس بها نفسك؟
إن استطعت، فسنختلف معك ونحترمك.
وإن لم تستطع، فلن تكون المشكلة في حزب الأمة وحده.
ستكون المشكلة في المعيار.
وهذه أخطر من كل الأحزاب.
أما الأردن، فلا تجعلوه ضحية لمعارككم القديمة.
لا تجعلوا الدولة ساحة لتصفية الحسابات.
لا تجعلوا الوطنية سوطا على المختلف.
ولا تجعلوا المعارضة شهادة حسن سلوك تمنحونها لأنفسكم.
هذا الوطن أكبر من أن يكون غنيمة سياسية، وأبقى من أن يكون رهينة لخلافات الرجال.
وفي النهاية،
قد يسقط حزب.
وقد يصعد حزب.
وقد يتغير أمين عام.
وقد تتبدل المواقع.
لكن السؤال الذي سيبقى واقفا، لا يشيخ ولا يموت:
من كان يكتب للأردن، ومن كان يكتب لنفسه؟
هنا فقط يبدأ الحساب الحقيقي.
لا حساب الأشخاص..
بل حساب التاريخ.
والتاريخ، يا بسام، لا يرفع صوته.
إنه فقط..
يتذكر.