جفرا نيوز -
خاص
في معان، لم تكن زيارة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الأخيرة زيارة تفقدية عابرة، ولم تكن استعراضاً لمشاريع على الورق، بل كانت عودة إلى ما بدأه في زيارته السابقة، ليرى بعينه ماذا صنعت التوجيهات، وكيف تحولت القرارات إلى أعمال، والمشاريع إلى واقع، والخطط إلى إنجازات يلمسها أبناء المحافظة، فحين يعود رئيس الحكومة إلى المكان ذاته، ويجد ما وجّه به قد أخذ طريقه إلى التنفيذ، ثم يفتتح ما اكتمل ويضع حجر الأساس لما هو مقبل، تصبح الزيارة بذاتها مؤشراً على أن المتابعة الحكومية ليست إجراءً بروتوكولياً، وإنما جزء من صناعة القرار وقياس أثره.
والأرقام هنا تتحدث بوضوح؛ 127 مشروعاً وبرنامجاً في معان، بنسبة إنجاز تجاوزت 81%، وبكلفة تقارب ربع مليار دينار خلال ثلاث سنوات، فيما جاءت الزيارة الأخيرة لتفتح ملفات جديدة في الصحة والمياه والطرق والسياحة والصناعة والاستثمار، وافتتاح توسعة مستشفى معان الحكومي، بما فيها مبنى العيادات الخارجية وبنك الدم، ليس مجرد افتتاح منشأة، بل ترجمة عملية لاحتياج خدمي جرى التعامل معه على الأرض، وكذلك مشاريع الطرق التي أنجزت في المحافظة، والحزم الجديدة الجاري تنفيذها، ومشاريع المياه التي تبلغ قيمتها 50 مليون دينار، كلها ترسم صورة لمحافظة يجري التعامل مع احتياجاتها ضمن رؤية تنموية متكاملة.
لكن العنوان الاقتصادي الأبرز في زيارة حسان هو مدينة الروضة الصناعية، فهنا تنتقل معان من الحديث عن جذب الاستثمار إلى صناعة البيئة الاستثمارية نفسها، وضع رئيس الوزراء حجر الأساس لمشروع إيصال الغاز الطبيعي إلى المدينة بكلفة تقارب 10 ملايين دينار، ضمن استراتيجية لتزويد المناطق الصناعية بالغاز، بما يمكن أن يخفض كلف الطاقة على الصناعات بنسب تتراوح بين 35 و60 بالمئة، ويعزز تنافسية المنشآت وقدرتها على الإنتاج والتوسع واستقطاب استثمارات جديدة، والأهم أن المشروع يأتي ضمن حزمة أوسع من الحوافز للمنطقة التنموية في معان، بينها تخفيض أسعار الأراضي بنسبة 50% والكهرباء بنسبة 75% لأول سنتين للمشاريع، إلى جانب حوافز تشغيل العمالة الأردنية.
وهنا تظهر فلسفة حسان في التعامل مع المحافظات بصورة أكثر وضوحاً،، لا يكفي أن تأتي الحكومة بالمشروع، المطلوب أن تبني حوله منظومة قادرة على جعله منتجاً ومولداً للفرص، فالروضة الصناعية تحتاج طاقة تنافسية، وميناء معان البري يحتاج إلى ربط لوجستي، والصناعة تحتاج إلى أسواق وصادرات، والمحافظة تحتاج إلى بنية تحتية وخدمات قادرة على حمل هذا النمو، ومن هنا جاءت رؤية الحكومة لربط معان بالعقبة والسكك الحديدية والممرات اللوجستية، إلى جانب مشاريع صناعية استراتيجية في الشيدية باستثمارات تتجاوز 1.25 مليار دينار.
ما جرى في معان يستحق أن يُقرأ بعيداً عن لغة الزيارات التقليدية؛ فالقصة ليست في أن رئيس الوزراء زار المحافظة، وإنما في أن الزيارة الأولى أنتجت توجيهات، والتوجيهات أنتجت عملاً، والعمل أنتج إنجازاً، والزيارة الأخيرة جاءت لتختبر هذا المسار وتفتتح ما اكتمل وتدفع بما هو قادم، وهذه هي قيمة الإدارة الحكومية حين تقاس بالفعل لا بالكلام، أن يبقى المشروع حاضراً بعد مغادرة المسؤول، وأن تتحول ملاحظات الميدان إلى قرارات، وأن تصبح المحافظة جزءاً من المعادلة الاقتصادية الوطنية لا هامشاً عليها، ومعان، بما تشهده اليوم من مشاريع خدمية وصناعية واستثمارية، تبدو أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز،، تنمية تُبنى على الأرض، وقرار حكومي يلاحق الإنجاز حتى يراه واقعاً.