د .عبدالحميد عليمات
لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تقنيًا أو خياراً مؤجلًا ،بل أصبح أحد أهم التحولات التي تعيد تشكيل الاقتصاد والإدارة والتعليم وسوق العمل وحتى مفهوم الدولة نفسها. ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل نواكب الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: كيف نواكبه، وبأي سرعة، وبما يتناسب مع واقع مجتمعاتنا واقتصاداتنا.
الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي مطلوب، لكن الاندفاع الأعمى ليس سياسة عامة. فالدول ليست متشابهة في بنيتها الاقتصادية، ولا في جاهزية مؤسساتها، ولا في بنيتها التحتية الرقمية، ولا في مستوى التعليم والمهارات، ولا في قدرتها على تحمل التحولات التي قد تفرضها الأتمتة على سوق العمل.
هناك فرق بين دولة تمتلك اقتصادًا رقميًا متقدمًا، وبنية تحتية تكنولوجية متطورة، وشركات قادرة على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وبين دولة ما زالت تواجه تحديات أساسية في التعليم والتشغيل والفقر والخدمات والبنية التحتية. ومن غير المنطقي أن تتعامل الدولتان مع التحول الرقمي بالسرعة والأدوات نفسها
فالذكاء الاصطناعي يجب أن يكون وسيلة لتحسين حياة الناس، لا مجرد مؤشرات جديدة في تقارير التنافسية الدولية. وإذا كان إدخال نظام ذكي إلى مؤسسة حكومية سيقلل الوقت والكلفة ويحسن الخدمة، فذلك تقدم حقيقي. أما إذا كان الهدف مجرد القول إن المؤسسة أصبحت “ذكية”، بينما المواطن لا يزال يواجه التعقيد نفسه، فهذه ليست ثورة تكنولوجية، بل إعادة تغليف للمشكلة.
وفي الجانب الاقتصادي، لا بد من النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة، ولكن أيضًا باعتباره تحديًا اجتماعيًا. فالأتمتة قد ترفع الإنتاجية وتخلق قطاعات اقتصادية جديدة، لكنها في الوقت نفسه قد تؤثر في بعض الوظائف التقليدية، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد على قطاعات كثيفة العمالة. ولذلك فإن الانتقال الذكي لا يكون بإلغاء الوظائف قبل إيجاد البدائل، وإنما بإعادة تأهيل الإنسان قبل أن تستبدله التكنولوجيا.
وهنا تظهر مسؤولية الدولة ،فالدولة التي تريد أن تدخل عصر الذكاء الاصطناعي عليها ألا تكتفي بشراء التكنولوجيا، بل عليها أن تستثمر في الإنسان ،في التعليم والتدريب والمهارات الرقمية، والبحث العلمي، وحماية البيانات، والأمن السيبراني وتشجيع الابتكار المحلي.
كما أن العدالة في التحول الرقمي لا تقل أهمية عن سرعة التحول. فلا يجوز أن تتحول التكنولوجيا إلى أداة تزيد الفجوة بين المدن والأطراف، أو بين القادرين على الوصول إلى التكنولوجيا والفئات الأقل قدرة، أو بين الشركات الكبيرة والمنشآت الصغيرة.
لذلك، ربما لا يكون الخيار الصحيح هو التسارع أو التباطؤ، وإنما بناء نموذج ثالث يمكن أن نطلق عليه التسارع المسؤول.
تتقدم الدولة بالسرعة التي تسمح بها جاهزيتها، ولكنها في الوقت نفسه ترفع جاهزيتها باستمرار. تبدأ من القطاعات التي تحقق أكبر أثر اقتصادي واجتماعي، وتضع أولويات واضحة، وتقيس النتائج لا عدد المشاريع، وتربط الاستثمار في التكنولوجيا بالاستثمار في الإنسان.
وفي الحالة الأردنية، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نلحق بالدول الأكثر تقدمًا في الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي لمعالجة مشكلاتنا نحن؟ كيف نرفع كفاءة الإدارة العامة؟ كيف نحسن التعليم؟ كيف نطور الخدمات الصحية؟ كيف نرفع إنتاجية الاقتصاد؟ كيف نخلق فرصًا جديدة للشباب؟ وكيف نحول محدودية الموارد إلى دافع للابتكار وليس عذرًا للتأخر؟
إن التحديث الحقيقي لا يعني أن نقلد الآخرين في أدواتهم، وإنما أن نمتلك القدرة على اختيار ما يناسبنا منها.
وفي النهاية، فإن الدول التي ستنجح في عصر الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة الدول التي دخلته أولًا، وإنما الدول التي أدارت الانتقال بذكاء، وحمت مجتمعها، واستثمرت في إنسانها، وربطت التكنولوجيا بأولوياتها الوطنية.
فالذكاء الاصطناعي سريع بطبيعته، لكن بناء الإنسان والمؤسسات والمجتمع للتكيف معه يحتاج إلى وقت.
ولهذا فإن المطلوب ليس أن نجعل المجتمع يركض خلف التكنولوجيا، بل أن نجعل التكنولوجيا تركض لخدمة المجتمع.
المستقبل لا ينتظرنا نعم ، لكن الوصول إليه لا يكون بالقفز فوق واقعنا، بل بتطوير واقعنا بحيث يصبح قادرًا على صناعة المستقبل