جفرا نيوز -
الساحر انقلب على السحر، هكذا يمكن وصف العجرفة الإسرائيليّة في تعاملها مع المملكة المُتحدّة، التي كانت صاحبة الـ "فضل الأكبر” (!) في إقامتها عام 1948، وأيضًا قبل ذلك، عندما أصدر وزير خارجية المملكة وعد بلفور المشؤوم عام 1917، أيْ مَنْ لا يملك أعطى لِمَنْ لا يستحّق، علاوةً على دعم لندن لتل أبيب سياسيًا وعسكريًا ودوليًا، بما في ذلك العدوان الإسرائيليّ على غزّة في أكتوبر 2023، والذي ما زال مُستمرًا، هكذا يُمكن قراءة العقوبات الإسرائيليّة على بريطانيا وافتعال أزمةٍ سياسيّةٍ بين البلديْن.
فقد اتهم السفير الأمريكيّ لدى إسرائيل، المعروف بولائه للكيان، مايك هاكابي، المملكة المتحدة بمعاداة السامية، وذلك ردًا على انتقاد وزير خارجيتها إد ميليباند، اليهوديّ وابن الناجي من الهولوكست، الأوضاع الانسانيّة في قطاع غزة. ويعتبر هذا الموقف الحاد غير معتاد من مسؤول أمريكيٍّ حيال الحليفة بريطانيا، على رغم الانتقادات التي يوجهها الرئيس دونالد ترامب أحيانًا لدولٍ حليفةٍ بما فيها المملكة المتحدة.
وأتى تعليق هاكابي بعدما نشر ميليباند مقطع فيديو لفت فيه الى أنّ على لندن التحرك حيال الوضع في القطاع الفلسطيني المحاصر والمنكوب بفعل الحرب الإٍسرائيليّة ضدّ غزّة بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وقال وزير الخارجية "ما يجري أمرٌ مروّعٌ؛ القصص التي كان الناس يروونها لي عن الأدوية التي تُمنع من الدخول، والأطفال الذين يموتون وهم ينتظرون معدات حيوية منقذة للحياة”.
وردًا على ذلك، كتب هاكابي على منصة (إكس) "لقد فقد البريطانيون صوابهم، كراهية اليهود لدى حكومتهم لا تعرف حدودًا ولا تعترف بالوقائع”.
وتفرض إسرائيل قيودًا على دخول المواد التي تعتبر أنّها ذات استخدامٍ مزدوجٍ (مدني وعسكري)، بما في ذلك الأطراف الصناعية، بحسب المسؤول.
وتقول منظمات الإغاثة إنّ القيود التي تفرضها إسرائيل على إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار، تعقّد ظروف تشغيل المستشفيات والمنشآت الطبية.
وكان رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام اعتبر أنّ سلفه كير ستارمر تساهل أكثر ممّا ينبغي مع إسرائيل؛ كما أعلنت الحكومة البريطانيّة أنّها تعتزم اتخاذ إجراءاتٍ ردًا على تصاعد الهجمات التي يشنها مستوطنون إسرائيليون ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، ما دفع الدولة العبرية الى التحذير من ردٍّ مماثلٍ.
وجاء في مقدمة القرارات الإسرائيليّة، إغلاق القنصليّة البريطانيّة في شرق القدس المُحتلّة، بدعوى أنّ "القدس الموحدة عاصمة إسرائيل وتقع تحت سيادتها الكاملة، وأيّ نشاطٍ لدولةٍ أجنبيّةٍ فيها يتطلب موافقة إسرائيل”.
وتضمنت القرارات الإسرائيلية أيضًا إبعاد الممثلين البريطانيين من مركز التنسيق الدولي المخصص لغزة في "كريات غات”، ووقف النشاط البريطانيّ لتدريب أجهزة أمن السلطة الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة، ضمن (فريق الدعم البريطانيّ) في رام الله.
كما قررت إسرائيل منع دخول 12 مسؤولًا منتخبًا ومواطنًا بريطانيًا إلى إسرائيل، بدعوى ضلوعهم في نشاطاتٍ "معاديةٍ للسامية ومعاديةٍ لإسرائيل” أوْ "رفضهم وجود إسرائيل”.
والبريطانيون الذين شملهم الحظر الإسرائيليّ هم: جيرمي كوربن، زارا سلطانة، ناز شاه، ديان أبوت، هانا سبنسر، كارلا دينير، سيان بيري، إيلي تشاونز، جون ماكدونيل، ريتشارد بورغون، أدريان رامزي، وجميعهم أعضاء في البرلمان البريطاني، إضافة إلى فهد أنصاري، وهو مدير منظمة غيرُ حكوميّةٍ.
وفي بيانه الذي أصدره بعد العقوبات، هاجم وزير الخارجيّة الإسرائيليّ، جدعون ساعر، حزب العمال البريطانيّ والحكومة التابعة له، واتهمه بـ "اتباع سياسةٍ منهجيّةٍ معاديةٍ لإسرائيل”. وزعم ساعر أنّ العقوبات البريطانية تمثل "تدخلاً سافرًا في شؤون دولةٍ ذات سيادةٍ”، كما وصف العقوبات بأنّها "مشوهة أخلاقيًا”.
وقال إنّ السياسة البريطانيّة الحالية "شبيهة بمحاولات فرض عقوباتٍ خلال فترة الانتداب البريطانيّ”، مشيرًا إلى تصريحاتٍ مزعومة للقائد البريطانيّ باركر حول "معاقبة اليهود عبر ضرب جيوبهم” إبان الانتداب.
ووصف ساعر العقوبات بأنّها "عبثية” في ظلّ "وعد بلفور” الذي أصدرته الحكومة البريطانيّة قبل أكثر من قرنٍ، واعترفت فيه رسميًا بما وصفه "الحق التاريخيّ للشعب اليهوديّ في إقامة وطنه القوميّ في أرض إسرائيل، بما في ذلك الضفة الغربيّة”.
ودافع ساعر عن مشروع "إي 1” الاستيطانيّ الذي هاجمته بريطانيا في بيانها المشترك مع 11 دولة أخرى، وزعم أنّ الطريق "لن يقطع التواصل الجغرافيّ الفلسطينيّ”، مدعيًا أنّ إسرائيل أقرت شق طريقيْن، أحدهما طريق 80 الذي قال إنّه سيربط بيت لحم برام الله، والثاني بين الزعيّم والعيزرية.
وانتقد ساعر امتناع بريطانيا عن فرض عقوباتٍ على السلطة الفلسطينيّة، رغم أنّها، على حدّ زعمه، "تواصل دعم الإرهاب، عبر نظام المدفوعات للأسرى وعائلات القتلى”، مؤكِّدًا أنّ السلطة الفلسطينية "لن تكون محصنةً” من الإجراءات الإسرائيليّة المضادة.