اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

لماذا ارتبط اسم كاظم الساهر بالقصيدة؟

السبت-2026-08-29 08:06 pm
جفرا نيوز -

لم يكن حضور القصيدة العربية الفصحى في مسيرة كاظم الساهر مجرد محطة عابرة أو تجربة ارتبطت بمرحلة زمنية محددة، بل تحولت على مدار عقود إلى واحدة من أبرز السمات التي صنعت هويته الغنائية وميزته عن كثير من أبناء جيله.

ويعيد الساهر التأكيد على هذه المساحة في ألبومه الجديد "بلا عنوان"، من خلال مجموعة من الأعمال التي تستحضر علاقته الطويلة بالشعر، ومن بينها قصيدة "تدخنين"، التي يقدمها بمشاركة الفنانة وعازفة العود اللبنانية سندي لطي.

وتعود كلمات القصيدة إلى الشاعرة العراقية الراحلة لميعة عباس عمارة، فيما تولى الساهر تلحينها، وقدم ميشال فاضل التوزيع الموسيقي للعمل، الذي يحمل أجواء طربية ويمنح النص الشعري مساحة بارزة داخل البناء الموسيقي.

لكن نجاح الساهر المتكرر في تقديم القصيدة يطرح سؤالا ظل ملازما لمسيرته: ما الذي يجعل الفصحى تبدو بصوته أقرب إلى الأغنية وأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور؟.

مغنٍ يقرأ النص بعين الملحن


أحد مفاتيح تجربة الساهر أنه لا يتعامل مع القصيدة باعتباره مؤديا فقط، إذ تجمع تجربته بين الغناء والتلحين، ما يتيح له البحث داخل النص عن الجملة الموسيقية والحالة الشعورية والإيقاع الذي يمكن أن تتحرك من خلاله الكلمات.

ويظهر ذلك في أعمال شهيرة مثل "زيديني عشقا" و"أنا وليلى"، حيث لا يقوم البناء على لحن قصير ومتكرر، بل يمتد عبر مقدمات موسيقية وانتقالات مقامية وإيقاعية تتغير مع تطور النص.

ومنحت هذه الطريقة القصيدة مساحة درامية أوسع، بحيث يصبح اللحن جزءا من رواية النص وليس مجرد خلفية موسيقية للكلمات.

الفصحى من دون حواجز


ويشكل النطق أحد الاختبارات الأصعب أمام المطرب الذي يخوض تجربة غناء الشعر الفصيح، إذ يمكن لأي خلل في مخارج الحروف أو تشكيل الكلمات أن يفقد النص جزءا من معناه أو جماله.

وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الساهر، من خلال اهتمامه بوضوح الحروف وطريقة إلقاء الجملة، مع المحافظة في الوقت نفسه على انسيابية اللحن.

وبذلك لا تبدو الفصحى في كثير من أعماله ثقيلة على المستمع، بل تتحول إلى لغة غنائية يمكن تلقيها حتى من جانب جمهور لا يعتاد الاستماع إلى القصائد الشعرية.

من القصيدة إلى المشهد


ولا يكتفي الساهر بأداء الكلمات وفق مسار لحني واحد، بل يعتمد على تغير طبقات صوته والوقفات وطريقة نطق المفردات بما يتناسب مع التحولات العاطفية للنص.

ويتجلى ذلك في قصائد مثل "هل عندك شك" و"مدرسة الحب"، إذ ينتقل الأداء بين الهدوء والانفعال والتصاعد الدرامي تبعا للحالة التي تحملها الكلمات.

وساعد هذا الأسلوب على تحويل قصائد طويلة نسبيا إلى أعمال جماهيرية، في معادلة ليست سهلة بالنسبة إلى نصوص فصيحة قد تبدو بعيدة عن الشكل السائد للأغنية العربية الحديثة.

نزار قباني.. محطة مفصلية


وشكل الشاعر السوري نزار قباني منعطفا أساسيا في مشروع الساهر مع القصيدة، إذ وجد المطرب العراقي في لغته الشعرية مزيجا بين الصورة الأدبية والمشاعر المباشرة القادرة على الوصول إلى جمهور واسع.

وبدأت الشراكة الفنية بينهما مع قصيدة "اختاري" العام 1994، قبل أن تتوالى الأعمال التي أصبحت لاحقا من العلامات البارزة في مسيرة الساهر، وتساهم في ترسيخ صورته باعتباره أحد أبرز مطربي القصيدة في جيله.

لكن تجربة الساهر لم تتوقف عند قباني، إذ غنى لشعراء آخرين، بينهم فاروق جويدة ومانع سعيد العتيبة، إضافة إلى أسماء ارتبط بها خلال مراحل مختلفة من مسيرته.

وأسهم هذا التنوع في إخراج تجربة القصيدة لديه من إطار العلاقة الفنية مع شاعر بعينه، لتصبح مشروعا غنائيا مستقلا وجزءا ثابتا من هويته.

حداثة من دون التخلي عن الطرب


ومن العناصر التي أسهمت في وصول قصائد الساهر إلى شرائح مختلفة من الجمهور طريقته في بناء الموسيقى المحيطة بالنص، عبر الجمع بين الروح الشرقية التقليدية وأساليب أكثر حداثة في التوزيع.

وحضرت في عدد من أعماله المقدمات الموسيقية الممتدة والتحولات الإيقاعية، إلى جانب المزج بين الآلات الشرقية والغربية، من دون أن يفقد العمل طابعه الطربي.

ومنحت هذه المعادلة القصيدة شكلا موسيقيا يتجاوز النموذج الكلاسيكي، مع الاحتفاظ بمكانة الكلمة باعتبارها العنصر الأساسي في الأغنية.

رهان امتد لعقود


وربما يكمن الفارق الأكبر بين تجربة الساهر وتجارب أخرى في الاستمرارية، إذ خاض مطربون كثر تجربة الغناء بالفصحى في أعمال منفردة، بينما حافظ هو على حضور القصيدة داخل مشروعه الفني على مدى سنوات طويلة.


 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير