جفرا نيوز -
د. معن العواملة
هناك لحظات في عمر الدول تتقاطع فيها الإرادة السياسية مع الفرصة الاقتصادية فتصبح الثقة نفسها أحد أشكال رأس المال. الأردن اليوم يعيش واحدة من هذه اللحظات.
فجولات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الخارجية ولقاءاته المتلاحقة مع كبرى الشركات وصناديق الاستثمار العالمية لم تعد مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل تحوّلت إلى ما يمكن تسميته "الدبلوماسية الاستثمارية الفاعلة” التي تفتح الأبواب وتمهّد الطريق أمام رأس المال الباحث عن بيئة مستقرة وواعدة.
المسؤولية الآن تقع على عاتق مؤسسات الدولة والقطاع الخاص على حد سواء: تحويل هذا الزخم الملكي إلى نتائج ملموسة على الأرض قبل أن تنتقل الفرصة إلى سوق منافس أكثر جاهزية.
استجابة حكومية سريعة: من التوجيه إلى التشريع
لم تبقَ التوجيهات الملكية حبراً على ورق، فمنذ منتصف تموز 2026 أقر مجلس الوزراء الأردني تعديل أسس منح الإقامة والجنسية للمستثمرين بهدف تعزيز استقطاب وتحفيز الاستثمار في المحافظات في خطوة تعيد تعريف مفهوم "الجنسية الاستثمارية” في المنطقة.
القرار رفع الحد الأدنى للحصول على الجنسية عبر الاستثمار في سوق عمان المالي إلى 1.5 مليون دينار أردني بينما وسّع في المقابل مسارات أخرى أكثر مرونة إذ شملت التعديلات منح الجنسية للمستثمرين في قطاعات استراتيجية كمستودعات الأدوية والمعدات الطبية والخدمات اللوجستية الغذائية عند استثمار لا يقل عن نحو 4.2 مليون دولار إلى جانب مسار توظيف الأيدي العاملة الأردنية.
هذا النوع من "التصنيف الاستثماري المتدرّج” حيث تُربط الجنسية بحجم الاستثمار وعدد فرص العمل الحقيقية المسجّلة في الضمان الاجتماعي يرسل رسالة واضحة: الأردن لا يبيع جواز سفر بل يبني شراكة إنتاجية طويلة الأمد.
والأرقام تؤكد أن المسار يكتسب زخماً متصاعداً إذ بلغ عدد المستثمرين الذين استكملوا إجراءات الحصول على الجنسية الأردنية عبر الاستثمار 65 مستثمراً خلال النصف الأول من عام 2026 فقط، مقارنة بـ37 مستثمراً في الفترة ذاتها من عام 2025 ما يعكس تسارعاً واضحاً في وتيرة الثقة بالسوق الأردني.
اتفاقية واشنطن: بوابة تفضيلية نحو أكبر سوق في العالم
في تطور يوصف بالنوعي وقّع الأردن والولايات المتحدة في واشنطن اتفاقية للتجارة المتبادلة تقضي بتخفيض الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الأردنية إلى 10% مع منح قطاع الألبسة نفاذاً تفصيلياً إلى السوق الأمريكية الأهم من الرقم نفسه هو موقعه التنافسي فكما أوضح مسؤولون ومختصون اقتصاديون هذه النسبة تُعد من أدنى النسب مقارنة بالعديد من الدول المنافسة والمصدّرة إلى الاتفاق يخفّض الرسوم الجمركية الإضافية المفروضة على الصادرات الأردنية من نحو 20% إلى 10%
هذا يمنح الأردن ما يمكن تسميته اقتصادياً "الميزة التفضيلية النسبية” (Preferential Trade Edge) أي قدرة تفوق فيها الشروط الجمركية الممنوحة للمملكة نظيراتها في دول عديدة بالمنطقة وهو ما يجعل من الأردن قاعدة تصنيع وتصدير مثالية لأي مستثمر يستهدف السوق الأمريكية دون تحمّل الكلفة الجمركية الكاملة.
الموقع: من "معبر جغرافي” إلى "ممر اقتصادي”
جغرافيا الأردن لم تعد مجرد نقطة عبور بين ثلاث قارات بل أصبحت أصلاً استثمارياً بحد ذاته، فبفضل شبكة موانئه وطرقه ومناطقه الحرة، يمتلك الأردن كل مقومات التحوّل إلى "ممر اقتصادي إقليمي” (Regional Economic Corridor) يربط الخليج بالمشرق العربي وأوروبا وأفريقيا.
ميناء العقبة، والمناطق الحرة واللوجستية المنتشرة في العاصمة والمحافظات تمنح المستثمر الصناعي والتجاري قناة تصدير مرنة نحو أسواق متعددة في آن واحد وهي ميزة تكتسب قيمة إضافية اليوم في ظل إعادة رسم خرائط سلاسل التوريد العالمية.
اقتصاد متماسك في بيئة إقليمية مضطربة
في وقت تعاني فيه أسواق عديدة من التقلبات، يقدّم الأردن نموذجاً لما يمكن تسميته "الاستقرار كميزة تنافسية” (Stability Premium)، فالسياسات النقدية المحافظة وربط الدينار بالدولار والانضباط المالي التدريجي عوامل تمنح المستثمر الأجنبي هامشاً من اليقين نادراً في المنطقة.
يُضاف إلى ذلك الأمن والأمان اللذان يمثلان بحد ذاتهما "رأس مال غير ملموس” يصعب تسعيره لكنه يزن كثيراً في قرار أي مستثمر: القدرة على العمل والتخطيط بعيد المدى دون مخاطر تشغيلية أو أمنية.
أبعاد إضافية تستحق الالتفات
•الاقتصاد الرقمي المفتوح: التزمت الاتفاقية الأمريكية الأردنية بعدم فرض ضرائب أو رسوم جمركية على الخدمات الرقمية ودعم وقف الرسوم الجمركية على خدمات البث الإلكتروني ما يفتح الباب أمام مستثمري التقنية والاقتصاد الرقمي.
•رأس المال البشري الشاب: نسبة كبيرة من السكان في سن العمل مع قاعدة متعلمة ومتعددة اللغات تجعل الأردن سوق عمل تنافسياً في قطاعات التكنولوجيا وخدمات الأعمال.
•تسهيلات إجرائية: من ضمن الحوافز الجديده تخصيص شبابيك خاصة في المطارات والمعابر لتسريع إجراءات دخول وخروج المستثمرين وهو تفصيل بسيط لكنه يعكس فلسفة "الاستثمار بلا احتكاك” (Frictionless Investment).
خلاصة: نافذة زمنية يجب ألا تُغلق
ما يجمع بين الجنسية الاستثمارية والرسوم الجمركية التفضيلية والموقع اللوجستي، والاستقرار الأمني هو أنها ليست عناصر منفصلة، بل منظومة متكاملة تصنع ما يمكن تسميته "مناخ الجاذبية الاستثمارية المركّبة”.
الفرصة اليوم مهيأة أكثر من أي وقت مضى، لكنها ليست دائمة فالمستثمرون يبحثون عن "نوافذ الدخول المبكر” (Early-Mover Advantage) قبل أن تتشبع الأسواق بالمنافسين.
المطلوب الآن هو ترجمة هذا الزخم السياسي والتشريعي إلى حملة تسويق استثماري ممنهجة، وتبسيط بيروقراطي متواصل، وشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص حتى لا تبقى هذه اللحظة التاريخية مجرد فرصة عابرة، بل تتحول إلى مسار تنموي مستدام يليق بمكانة الأردن وموقعه.