جفرا نيوز -
لم يكن المشهد الذي عمّ شوارع المملكة عقب إعلان تأهل المنتخب الوطني لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم 2026 مجرد احتفال بإنجاز رياضي طال انتظاره، بل كان تعبيرًا عن شعور جمع الأردنيين، وأعاد إلى الواجهة الإيمان بأن الإنجازات الكبرى لا تصنعها الصدفة، وإنما الإرادة والعمل والتخطيط.
وسط هذه الحالة الوطنية، بين أعلام رفرفت في الساحات، وأطفال تزينوا بقمصان المنتخب، وشباب استعادوا أحلامهم، برز سؤال يتجاوز كرة القدم: هل نجح النشامى في ترسيخ ثقافة الإبداع والتميز لدى الأردنيين؟
في متابعة خاصة لـ»الدستور» أكد مختصون في الرياضة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتربية الرياضية أن الوصول إلى كأس العالم لم يكن مجرد نتيجة على لوحة المباريات، بل تجربة وطنية متكاملة أعادت تشكيل نظرة المجتمع إلى قدراته، ورسخت مفاهيم الإبداع والعمل الجماعي، وقدمت نموذجًا يمكن البناء عليه في مختلف القطاعات.
تخطيط يأتي بالنتائج
المحلل والناقد الرياضي وأستاذ التدريب الرياضي في جامعة مؤتة الدكتور عصام أبو شهاب أكد أن رحلة التأهل لم تبدأ مع صافرة أول مباراة في التصفيات، وإنما سبقتها سنوات من العمل المؤسسي والتخطيط الفني والإداري، موضحا أن الإنجاز جاء نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية، تمثلت في الاحترافية في اختيار الأجهزة الفنية القادرة على فهم شخصية اللاعب الأردني، وتطور العقلية الاحترافية لدى اللاعبين من خلال تجاربهم الخارجية، إلى جانب الاستقرار الفني الذي منح المنتخب هوية واضحة داخل الملعب.
وأشار إلى أن هذا العمل انعكس على أداء المنتخب، الذي نجح في تقليص الفجوة مع المنتخبات الآسيوية الكبرى، بعد سلسلة من الإنجازات أبرزها بلوغ نهائي كأس آسيا، وتقديم مستويات لافتة في البطولات الإقليمية، وصولًا إلى التأهل التاريخي للمونديال.
وأضاف أن الاتحاد الأردني لكرة القدم لعب دورًا محوريًا من خلال توفير معسكرات إعداد نوعية، وكوادر فنية وإدارية وطبية متكاملة، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة للاعبين للإبداع داخل الملعب.
في السياق ذاته، رأى أستاذ التربية الرياضية البروفيسور محمد مقابلة، أن ما حققه النشامى يؤكد أن النجاح لا يأتي مصادفة، وإنما هو ثمرة التخطيط والاجتهاد والإيمان بالقدرات، مبينا أن هذا الإنجاز أصبح رسالة تربوية قبل أن يكون إنجازًا رياضيًا، إذ أثبت للشباب والطلبة أن الطموح لا يعرف المستحيل عندما يقترن بالعمل والانضباط والمثابرة.
وعلى الصعيد ذاته، رأى خبير علم النفس الدكتور علي الغزو أن ما تحقق لم يغير صورة المنتخب فحسب، بل غيّر أيضًا نظرة المجتمع إلى نفسه، موضحًا أن الأردنيين انتقلوا من ثقافة الاكتفاء بالمشاركة إلى ثقافة الإيمان بإمكانية المنافسة وتحقيق الإنجازات.
وأضاف أن هذا التحول عزز الثقة بين أفراد المجتمع، وجعل دعم المنتخب واجبًا وطنيًا يرتبط بالفخر والانتماء، لا بمجرد تشجيع فريق رياضي.
ولم يقتصر هذا الشعور على المختصين، بل انعكس في حديث الطالب الجامعي محمد الشرمان، الذي اعتبر أن رحلة النشامى أكدت أن النجاح لا يرتبط بالإمكانات وحدها، وإنما بالإصرار والعمل المتواصل، مشيرًا إلى أن الإنجاز منحه، كما كثيرًا من الشباب، دافعًا أكبر للإيمان بأن الأحلام يمكن أن تتحول إلى واقع متى اقترنت بالاجتهاد والالتزام.
ولا يتوقف الخبراء عند قراءة أسباب النجاح، بل يرون أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن فيما تركه من أثر في وجدان الشباب، إذ لم يعد المنتخب بالنسبة إلى كثيرين مجرد فريق يمثل الأردن في المنافسات، بل أصبح نموذجًا عمليًا يختصر معنى الإبداع والتميز، ويعيد تعريف مفهوم النجاح لدى جيل كامل.
من إنجاز رياضي إلى مصدر إلهام
لم يقتصر أثر وصول النشامى إلى كأس العالم على تحقيق إنجاز غير مسبوق في تاريخ الكرة الأردنية، بل امتد ليترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا في فئة الشباب، الذين وجدوا في رحلة المنتخب نموذجًا يؤكد أن الإبداع لا يولد من الصدفة، وإنما يصنعه الالتزام والعمل المتواصل والإيمان بالقدرات.
وأكد خبير علم النفس الدكتور علي الغزو أن أي إنجاز وطني يتحول بطبيعته إلى مصدر للإبداع والطموح، لافتًا إلى أن الرياضة تعد من أبرز المجالات التي تتيح للفرد تطوير قدراته وإظهار مهاراته، وهو ما يجعل اللاعب الناجح يتحمل مسؤولية مضاعفة تجاه تطوير نفسه والمحافظة على مستواه.
وأشار إلى أن النجاحات الرياضية لا تنعكس على أصحابها فقط، وإنما تمتد آثارها إلى المجتمع، خاصة الشباب، الذين تزداد لديهم الدافعية والثقة بالنفس عندما يرون أبناء وطنهم يحققون إنجازات عالمية.
وأضاف أن لاعبي المنتخب الوطني أصبحوا قدوة حقيقية للأطفال واليافعين، إذ بات كثير منهم يردد أسماء نجوم المنتخب مثل يزن النعيمات وموسى التعمري وعلي علوان، ويحاول تقليدهم، ليس فقط في طريقة اللعب، وإنما في الإصرار على تطوير الذات وتحقيق النجاح.
وأشار إلى أن ذلك انعكس بوضوح في ازدياد الإقبال على الأكاديميات الرياضية، بما يسهم في بناء جيل يمتلك طموحًا أكبر وإيمانًا أعمق بقدراته.
واتفق مع هذا الطرح مستشارة تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية والخبيرة الاجتماعية الدكتورة شروق أبو حمور، التي ترى أن المنتخب قدم للشباب الأردني درسًا عمليًا يؤكد أن الموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى الانضباط والعمل الجاد والإصرار على تجاوز التحديات.
وقال إن النشامى لم يصبحوا مجرد لاعبي كرة قدم، وإنما تحولوا إلى «أيقونة» وطنية، يتطلع الشباب إلى محاكاة عقلية التميز التي أوصلتهم إلى كأس العالم، قبل أن يحاولوا تقليد مهاراتهم داخل الملعب.
ورأت أبو حمور أن هذا النوع من النجاحات يرفع سقف الطموحات لدى المجتمع، ويعزز القناعة بأن النجاح ليس حكرًا على أحد، وأن محدودية الإمكانات لا تمنع الوصول إلى القمة، وهو ما ينعكس إيجابًا على مختلف مجالات الحياة، من التعليم إلى سوق العمل، ويغرس ثقافة تؤمن بأن التميز يبدأ من الإيمان بالقدرة على الإنجاز.
من جانبه، اعتبر البروفيسور محمد المقابلة أن أهمية هذا الإنجاز لا تكمن في نتيجته الرياضية فحسب، بل فيما يحمله من قيم تربوية يمكن استثمارها داخل المدارس والجامعات، موضحًا أن قصة النشامى تجسد معاني الانتماء، والعمل بروح الفريق، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والصبر، والإصرار على تحقيق الأهداف رغم التحديات، وهي قيم ينبغي أن تصبح جزءًا من البيئة التعليمية، إلى جانب تشجيع الطلبة على الإبداع والتميز في مختلف المجالات.
وجسد لاعب كرة القدم الناشئ عمار صالح هذا الأثر بصورة عملية، وقال إن وصول النشامى إلى كأس العالم جعله أكثر تمسكًا بحلمه في تمثيل المنتخب الوطني يومًا ما، مؤكدًا أن رؤية لاعبين أردنيين يصلون إلى أكبر بطولة كروية في العالم منحته دافعًا للاستمرار في التدريب والاجتهاد، لأنه بات يؤمن بأن الطريق إلى العالمية لم يعد حلمًا بعيدًا، وإنما هدف يمكن تحقيقه بالعمل والالتزام.
ولا يختلف هذا الشعور كثيرًا لدى الطالب الجامعي محمد الشرمان، الذي يرى أن رحلة المنتخب قدمت نموذجًا يؤكد أن الإنجازات الكبرى لا ترتبط بحجم الإمكانات بقدر ارتباطها بالإرادة والإصرار، معتبرًا أن ما حققه النشامى يشكل رسالة لكل شاب أردني بأن النجاح يبدأ بخطوة، ويكبر بالاجتهاد، ويصل إلى العالمية عندما يقترن بالتخطيط والعمل المستمر.
توحد الشارع الأردني خلف النشامى
لم يكن الاحتفاء بتأهل النشامى إلى كأس العالم حكرًا على جماهير كرة القدم، بل تحول إلى مشهد وطني جمع الأردنيين على اختلاف أعمارهم ومناطقهم واهتماماتهم. فالأعلام التي رفرفت في المدن والقرى، والاحتفالات التي عمت الشوارع، عكست حالة من الالتفاف حول هدف واحد، ورسخت شعورًا بأن الإنجاز الرياضي قادر على صناعة وحدة مجتمعية تتجاوز كل الاختلافات.
وأكدت الدكتورة شروق أبو حمور أن التأهل شكل «لحظة مفصلية» في الوعي الجمعي الأردني، لأنه أعاد تشكيل نظرة المجتمع إلى نفسه، ونقلها من الاكتفاء بالمشاركة إلى الثقة بالقدرة على المنافسة عالميًا.
وأوضحت أن الإنجاز أصبح مظلة وطنية جامعة، عززت الفخر بالهوية الأردنية، وربطت اسم الأردن بالنجاح والريادة على الساحة الدولية، إلى جانب تعريف العالم بصورة مشرقة عن الأردن وثقافته وقيمه.
واتفق معها الدكتور علي الغزو، الذي يرى أن الإنجازات الوطنية الكبرى تخلق حالة من الرضا والثقة داخل المجتمع، إذ يشعر المواطن بأن نجاح المنتخب هو نجاح شخصي لكل أردني.
وأضاف أن هذا الشعور يسهم في بناء الثقة بين أفراد المجتمع، ويعزز الإيمان بأن الإنجاز ليس حكرًا على أشخاص بعينهم، بل يمكن أن يتحقق متى توافرت الإرادة والعمل.
وانعكست هذه الصورة في حديث الموظفة هدى العيسى، التي تؤكد أن أكثر ما لفت انتباهها خلال رحلة التأهل هو مشهد التفاف الأردنيين حول المنتخب، بغض النظر عن اختلافاتهم، معتبرة أن النشامى أعادوا تذكير الجميع بأن العمل بروح الفريق هو الطريق الأقصر للنجاح، سواء في الرياضة أو في الحياة اليومية.
التحدي الحقيقي.. كيف نحافظ على الإنجاز؟
رغم أهمية التأهل، يجمع الخبراء على أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الوصول إلى كأس العالم، فالمحافظة على هذا الإنجاز تتطلب تحويله من مناسبة للاحتفال إلى مشروع وطني مستدام.
ورأى الدكتور عصام أبو شهاب أن الخطوة الأهم تتمثل في استمرار الاستثمار في الفئات العمرية، وتطوير مراكز التدريب، ورفع مستوى دوري المحترفين، والاستفادة من الخبرات الفنية والإدارية التي صاحبت رحلة التأهل، مؤكدًا أن العمل المؤسسي هو الضمانة الحقيقية لاستمرار النجاح، وأن الأندية مطالبة بالابتعاد عن الحلول المؤقتة، والتركيز على بناء اللاعب منذ المراحل الأولى.
من جهته، شدد البروفيسور محمد مقابلة على ضرورة استثمار هذا الإنجاز داخل المدارس والجامعات، من خلال توسيع الأنشطة الرياضية، وتنظيم البطولات، واكتشاف المواهب ورعايتها، إلى جانب غرس قيم الانضباط، والعمل الجماعي، والمثابرة، والثقة بالنفس، حتى تتحول قصة النشامى إلى تجربة تربوية يستفيد منها الطلبة في مختلف مراحلهم التعليمية. وأكدت الدكتورة شروق أبو حمور أن استدامة أثر الإنجاز تتطلب الانتقال من مرحلة الاحتفاء إلى مرحلة «المأسسة»، عبر دعم الأندية، والاستثمار في المواهب، وترسيخ خطاب إعلامي وثقافي يحتفي بالتميز في جميع القطاعات، لأن المجتمع الذي يكرم المبدعين ويوفر لهم البيئة المناسبة هو المجتمع القادر على إنتاج نجاحات متتالية.
في السياق ذكر الدكتور علي الغزو أن المسؤولية لا تقع على الاتحاد الرياضي وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمؤسسات التعليمية والمجتمعية، وصولًا إلى الأندية والأكاديميات، مؤكدًا أن توفير بيئة حاضنة للأطفال واليافعين هو السبيل إلى إعداد جيل جديد قادر على المحافظة على ما تحقق، وصناعة إنجازات أكبر في المستقبل.