اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الحلقة الثانية عشرة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني

الخميس-2026-07-09 08:19 pm
جفرا نيوز -
هندسة التوافق وصياغة العقد الاجتماعي الجديد / الميثاق الوطني الأردني (1991)
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
****
تمهيد: تأتي هذه الحلقة الثانية عشرة ضمن سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني" كجهدٍ بحثي يهدف بالدرجة الأولى إلى إضاءة الزوايا المفصلية في تاريخ الأردن الحديث، واستحضار السياقات التي شكلت وجدان الدولة ومؤسساتها. 
إن الغاية الجوهرية من هذا الطرح هي "التوثيق التاريخي" القائم على التحليل والمراجعة، بعيداً عن إصدار الأحكام التقييمية أو إخضاع الوقائع السياسية لتجاذبات المصالح وضجيج السياسة الراهنة. نحن هنا نسعى لقراءة الحدث في سياقه الزمني، وفهم ديناميكية بناء الدولة في لحظات التحول الكبرى، ليبقى التاريخ مرجعاً وطنياً جامعاً يتجاوز التفسيرات الضيقة.
****
* الميثاق الوطني الأردني (1991)
أفرزت انتخابات عام 1989 واقعاً سياسياً جديداً تمثل في برلمان قوي وفسيفساء حزبية (غير مرخصة قانونياً آنذاك) تتواجد تحت قبة التشريع. وأمام هذا المشهد غير المسبوق، أدرك العقل السياسي للدولة أن "إدارة الأزمة" عبر التهدئة المؤقتة لم تعد كافية، وأن الانتقال الديمقراطي يتطلب "مأسسة سياسية" تضبط إيقاع العلاقة بين الدولة والنخب المعارضة الصاعدة. من هنا، جاءت الإرادة الملكية بتشكيل لجنة ملكية لصياغة "الميثاق الوطني"، ليكون بمثابة وثيقة شرف سياسية وعقداً اجتماعياً جديداً يحدد قواعد العمل العام، ويُمهد الطريق لإقرار قانون الأحزاب وإلغاء الأحكام العرفية.
****
- تشكيل اللجنة الملكية: "المختبر السوسيولوجي" للنخبة الأردنية:
لم تكن خطوة تشكيل اللجنة الملكية للميثاق الوطني في نيسان 1990م مجرد إجراء إداري، بل كانت "هندسة سوسيولوجية" بالغة التعقيد والذكاء. فقد عهد الملك الحسين برئاسة اللجنة إلى أحمد عبيدات (رئيس الوزراء ومدير المخابرات الأسبق)، وهوية الرئيس هنا تحمل دلالة عميقة؛ فهو يمثل النواة الصلبة للدولة البيروقراطية والأمنية، ولكنه يحظى باحترام واسع لنهجه الإصلاحي.
أما على صعيد تركيبة اللجنة التي ضمت (60) عضواً، فقد شكلت سابقة في تاريخ الدولة الأردنية الحديث؛ إذ جمعت حول طاولة واحدة أقطاب النخبة التقليدية المحافظة، جنباً إلى جنب مع قيادات الحركة الإسلامية، والبعثيين، والقوميين، والشيوعيين، واليساريين الذين كانوا حتى وقت قريب يعملون في العمل السري أو يواجهون الملاحقة . ويجدر الإشارة إلى أن هذه التركيبة مَثّلت "عملية إدماج نخبوي قسري"؛ حيث أجبرت الدولة كافة التيارات على الخروج من خنادق المعارضة الأيديولوجية المريحة، والجلوس للتحاور المباشر والعلني. لقد تحولت طاولة الميثاق إلى "مختبر" لاختبار قدرة هذه النخب المتنافرة على إنتاج قواسم وطنية مشتركة تتجاوز شعارات الرفض.
****
- "المقايضة التاريخية" وثنائية الشرعية والتعددية:
يتضح من القراءة التحليلية لمسودات وبنود الميثاق الوطني، أن جوهر هذا العقد الاجتماعي قام على ما يمكن تسميته بـ "المقايضة السياسية الكبرى" بين مؤسسة العرش والنخب المعارضة، والتي تأسست على ركيزتين:
1. تنازلات الدولة (إقرار التعددية): اعترفت الدولة، وبوثيقة رسمية، بالتعددية السياسية والفكرية كواقع مشروع، وتعهدت بإنهاء حقبة الأحكام العرفية، والسماح بترخيص الأحزاب السياسية، وضمان حرية الصحافة والتعبير، وهو ما نص عليه الميثاق صراحة بأن "الدولة الأردنية دولة قانون... والتعددية السياسية فيها ضمانة لتماسك نسيج المجتمع".
2. التزامات المعارضة (الإقرار بالشرعية المرجعية): في المقابل، انتزعت الدولة من كافة القوى السياسية (بما فيها الأيديولوجية) إقراراً خطياً لا لبس فيه بشرعية النظام الهاشمي، والالتزام المطلق بالدستور الأردني لعام 1952 كمرجعية وحيدة، بالإضافة إلى تحريم التنظيمات السرية ونبذ العنف واستخدام السلاح كوسيلة للعمل السياسي، وقطع الارتباط التنظيمي والمالي بالجهات الخارجية.
ويمكن القول أن الميثاق نجح في إنهاء حالة "ازدواجية الولاء" لدى بعض النخب الأيديولوجية. فلم يعد مسموحاً ممارسة العمل السياسي الداخلي بأجندات إقليمية (سواء كانت قومية أو أممية). لقد أرست هذه الوثيقة مفهوم "أردنة العمل الحزبي"، محولةً الصراع من "صراع على شرعية النظام" إلى "تدافع سلمي تحت مظلة النظام".
****
- الميثاق كـ "درع سيادي" في مواجهة العواصف الإقليمية ( 1990-1991 )
تكمن الأهمية السياسية للميثاق الوطني في توقيته السوسيولوجي والسياسي. فبينما كانت جلسات الحوار تنعقد، تفجرت أزمة الخليج الثانية (غزو العراق للكويت في آب 1990). واجه الأردن حينها حصاراً سياسياً واقتصادياً خانقاً وضغوطاً دولية هائلة لتغيير موقفه الرافض للتدخل العسكري الأجنبي.
في خضم هذا الزلزال الإقليمي، أثبت الميثاق الوطني (والحالة الديمقراطية التي رافقته) أنه يمثل "الجدار الاستنادي" الأقوى للدولة. فقد تماهت مواقف النخب السياسية (بما فيها الحركة الإسلامية واليسارية) مع الموقف الرسمي لمؤسسة العرش. وبدلاً من أن تُشكل المعارضة خاصرة رخوة للنظام في وقت الأزمة، تحولت بفضل التوافق النخبوي الديمقراطي إلى شريك في تحمل أعباء الحصار. لقد أثبت الأردن للمجتمع الدولي أن موقف الملك الحسين لم يكن قراراً فردياً معزولاً، بل كان انعكاساً لإرادة وطنية جامعة تحصنت خلف التعددية السياسية الوليدة.
****
* من "الاحتراب" إلى "المأسسة":
يُجمع التحليل السوسيولوجي السياسي لهذه المرحلة، على أن الميثاق الوطني الأردني لم يكن مجرد وثيقة أدبية، ولم يأتِ ليكون بديلاً عن الدستور، بل جاء بوصفه "الضمانة السياسية والأخلاقية" لتطبيق الدستور. لقد هندس الميثاق قواعد اشتباك جديدة، فنقل النخب السياسية الأردنية من مرحلة "الاحتراب الصامت والتشكيك المتبادل" في عقدي السبعينيات والثمانينيات، إلى مرحلة "الاعتراف المتبادل والشراكة".
****
وبهذا الإنجاز، طوى الأردن صفحة الأحكام العرفية بثقة كاملة، متوجاً هذا المسار بإقرار قانون الأحزاب السياسية وقانون المطبوعات والنشر في عام 1992م، لتبدأ المملكة حقبة التسعينيات وهي تمتلك بنية سياسية واجتماعية مرنة قادرة لاحقاً على استيعاب الاستحقاقات الكبرى، وعلى رأسها مسار السلام الإقليمي، دون التفريط في استقرارها الهيكلي الداخلي.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير