جفرا نيوز -
بقلم : رائد العورتاني
منذ قيام الاحتلال الاسرائيلي كيانه في المنطقة، شكّلت الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي الأهم لها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وعلى مدار عقود بدا هذا التحالف وكأنه ثابت لا يتغير مهما تبدلت الإدارات الأمريكية أو الحكومات الإسرائيلية، لكن الأحداث المتسارعة في المنطقة، والحروب الأخيرة، والخلافات المتكررة بين القيادات السياسية في واشنطن واسرائيل، دفعت كثيرين إلى طرح سؤال مهم: هل بدأت إسرائيل فعلاً البحث عن بدائل استراتيجية لأمريكا؟
الحقيقة أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزال الأقوى في تاريخ الطرفين، إلا أن ما يجري اليوم يكشف وجود تباينات متزايدة في الرؤية السياسية، خصوصاً حول إدارة الصراعات الإقليمية ومستقبل المنطقة، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظر إلى الملفات الدولية من زاوية المصالح الأمريكية المباشرة، بينما يتعامل بنيامين نتنياهو مع التحديات الأمنية من منظور يركز على توسيع هامش القوة والنفوذ الإسرائيلي.
ورغم الصورة التي حاول البعض رسمها عن توافق كامل بين ترامب ونتنياهو، إلا أن السياسة لا تعرف الصداقات الدائمة بقدر ما تعرف المصالح الدائمة، فعندما تتعارض المصالح، تظهر الخلافات حتى بين أقرب الحلفاء.
إسرائيل تدرك أن الولايات المتحدة تبقى الضامن الأكبر لأمنها العسكري والسياسي، لكنها في الوقت نفسه تعمل منذ سنوات على تنويع علاقاتها الدولية، ولذلك شهدنا توسعاً في العلاقات مع قوى آسيوية وأوروبية، ومحاولات لبناء شراكات اقتصادية وأمنية جديدة تقلل من الاعتماد المطلق على طرف واحد.
أما السؤال الأكثر إثارة فهو: هل يمكن أن تتجه إسرائيل نحو حلفاء مسلمين؟
الإجابة أن هذا المسار بدأ بالفعل منذ سنوات، لكن ليس بديلاً عن أمريكا بل مكملاً لها، فإسرائيل تدرك أن اختراق البيئة الإسلامية والعربية يمنحها شرعية سياسية وأمنية واقتصادية يصعب تحقيقها بالقوة العسكرية وحدها، ولهذا شهدنا اتفاقيات وتفاهمات وعلاقات متفاوتة المستوى مع عدد من الدول الإسلامية والعربية، ضمن رؤية تقوم على المصالح المشتركة ومواجهة التحديات الإقليمية، هناك فارقاً كبيراً بين إقامة علاقات مع دول إسلامية وبين بناء تحالف استراتيجي بديل عن الولايات المتحدة، فواشنطن تمتلك من النفوذ العسكري والاقتصادي والدبلوماسي ما لا تستطيع أي دولة أو مجموعة دول تعويضه لإسرائيل في المستقبل المنظور.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة لن تشهد انفصالاً بين واشنطن وتل أبيب، بل إعادة صياغة للعلاقة بما يخدم المصالح المتغيرة للطرفين، وستواصل إسرائيل سياسة فتح الأبواب أمام شركاء جدد في آسيا والعالم الإسلامي وأوروبا، لكنها ستبقي الولايات المتحدة في موقع الحليف الأول الذي لا غنى عنه.
إن ما يجري اليوم ليس بحثاً عن بديل لأمريكا، بل بحث عن شبكة أوسع من الحلفاء تمنح إسرائيل قدرة أكبر على المناورة في عالم يتغير بسرعة، حيث لم تعد التحالفات التقليدية وحدها كافية لضمان المصالح والنفوذ.