جفرا نيوز -
رثى الفريق المتقاعد محمد الرقاد باسمه واولاده واحفاده، زوجته الراحلة ثناء عبدالحميد درويش الشلة (ام عصام) في الذكرى السنوية لوفاتها، قائلا:
بسم الله الرحمن الرحيم
العزيزة المرحومة أم عصام..
"أرواحنا التي اجتمعت على محبتك، لا يقطعها الموت.”
أما بعد…
ان أصعب ما يمر به الإنسان أن يرى الأيام تمضي سريعاً من حوله دون توقف، فيما يقف هو عند لحظة واحدة لا يغادرها… لحظة الوداع الأخير.
رحيلك عن حياتنا أشبه بغروب الشمس، فبعد أن كانت تمنح الدفء في أرجاء الكون، غابت -ولا بد لها أن تغيب-وأنتِ كذلك، كنتِ تمنحين الدفء في أرجاء البيت، لكن لا بد من الأجل المحتوم.
واليوم أصبحنا نرى الأشياء على حالها، خاليةً من معانيها؛ فالبيت هو البيت، والزمن اسمه الزمن، والأيام هي الأيام، لكن الروح التي كانت تمنحها الدفء والجمال رحلت… نعم، رحلت وأصبحت بين يدي الله، وهو أرحم الراحمين.
المرحومة أم عصام..
للمرة الرابعة نعود لنناجيك، ونحن على الخط الرفيع بين الحياة والموت. أربع سنوات مضت على رحيلك، مرت بحلوها ومرها، بخيرها وشرها، ولكنها لم تستطع أن تمحو أثراً خطَّه الحب بمداد الوفاء، ولا أن تُسكت صوتاً ما زال يتردد في أعماق القلوب، كلما هبت نسمة من نسماتك الجميلة، أو مرت لحظة من لحظات العمر التي قضيناها معك.
لا، لم ننسَ ولن ننسى… فقد كنتِ في حياتنا أكثر من زوجة، وأكثر من أم؛ كنتِ وطناً صغيراً نأوي إليه إذا ضاقت بنا الدنيا، وركناً نستند إليه إذا أثقلتنا هموم الأيام، ويداً تمتد إلينا بالرحمة حين تجف ينابيع القوة. فكيف ننسى من كانت بهذا القرب من الروح؟ وكيف يبرأ جرح أصابه الفقد في أعز مواضع القلب؟
المرحومة أم عصام…
ما أكثر ما نقف عند الأشياء التي كانت تجمعنا، فنراها كما هي، لكنها فقدت سرها… وما أكثر ما نستمع إلى الصمت فنجد فيه حديثك، وننظر إلى الفراغ فنرى فيه صورتك، ونفتح دفاتر الذكريات فتفيض علينا قصص وحكايات تنبض بالمودة والرحمة والسكينة.
هذا الرباعي: (الأشياء، الصمت، الفراغ، الذكريات) هو رحلتنا التأملية في نفسك التي غابت عن الوجود؛ فالأشياء حولنا صامتة، لكنها تحمل في طياتها الذكريات، وحين نبتعد عنها يتسع الفراغ، ليصبح الصمت هو الملاذ الأخير، والجسر الذي نعبر منه إلى أيامنا الماضية، فيثير فينا شعوراً عميقاً بالحنين.
العزيزة أم عصام…
كنتِ وطناً من الطمأنينة نسكن إليه، ورفيقةَ عمرٍ اختلطت تفاصيلها بتفاصيل أيامنا، حتى غدا فراقك اقتلاعاً لجزءٍ من الروح، لا مجرد غياب فحسب. نتتبع آثارك في زوايا البيت، ونردد كلماتك، ونقف عند الذكريات الجميلة التي صغناها، لنجد فيها رائحةً من عطرك، وهمسةً من صوتك، في لحظةٍ سعيدةٍ عشناها معاً.
وما عاد موتك حدثاً، بل حديثاً يومياً نتداوله في كل مناسبة تذكرنا بك. وما زال الحنين فينا يطرق أبواب الروح بين لحظة وأخرى، والعين تبحث عن ملامحك بين الوجوه، والقلب يستعيد صوتك في صمت الليالي الطويلة.
المرحومة أم عصام…
ما زلتِ، رغم رحيلك، أجمل ما مر في العمر، وأنقى ذكرى تحفظها الروح، وأعز اسم ينطقه اللسان. ونذكرك اليوم في مماتك كما كنتِ في حياتك: قلباً رحيماً، وروحاً نقية، ووجهاً يبعث الطمأنينة في النفوس. وأنتِ كذلك… أتعرفين لماذا؟ لأنك لم تكوني مجرد عابرة في حياتنا، ولأنك أثرٌ جميل ترك بصمته في كل روح عرفتك، ولأنك حبٌ صادق لا يغيّبه الرحيل، وذكرى طيبة لا تطويها السنين.
رحيلك عن الدنيا أعطى للموت معنىً آخر، وللحياة طعماً آخر، وللفقد بُعداً آخر… كل شيء تغير، ولم يعد كما كان، إلا أنتِ، فلا زلتِ كما أنتِ، جزءاً من حياتنا، وجزءاً من أيامنا رغم الفقد، وأجمل ذكرى رافقت أعمارنا منذ الصغر. وسيبقى الحب الذي جمعنا أقوى من الغياب، وأبقى من الزمن. ونشهد الله أننا ما عرفنا فيك إلا خيراً، ولا رأينا منك إلا براً، ولا لمسنا منك إلا حناناً ووفاءً وصبراً جميلاً.
فسلامٌ عليكِ يوم جئتِ إلى حياتنا نعمةً لا تُقدَّر، وسلامٌ عليكِ يوم رحلتِ منها ذكرى لن تموت.
وسلامٌ عليكِ يوم عشتِ بيننا ومعنا زوجةً صالحةً، وأماً حانيةً، ورفيقةَ دربٍ لا تُنسى.
وسلامٌ عليكِ في عالمك الأبدي، حيث لا وجع ولا فراق، وحيث تتنزل رحمة الله وسكينته.
وسلامٌ عليكِ في ذكراكِ التي تسكن القلوب، وسلامٌ على أثرك الجميل الذي لم تمحه الأيام، وعلى المحبة التي تركتها في النفوس؛ دعاءً يتردد، ووفاءً يتجدد، وحضوراً يرافقنا ما حيينا.
رحمكِ الله رحمةً واسعة، وجعل ذكراكِ الطيبة صدقةً جاريةً من الخير والمحبة في قلوب من عرفوك وأحبوك.
اللهم اجعل قبرها نوراً ونعيماً، واغفر لها مغفرةً لا يبقى معها ذنب، وارفع درجتها في المهديين، واجمعنا معها في جناتك، جنات النعيم.