النسخة الكاملة

تجربة محمد أبوسماقة في الدراما في … ثلاثية “الواقع بدون رتوش” .

الخميس-2026-05-14 07:35 pm
جفرا نيوز -

بقلم المهندس خلدون عتمة

يُعد الكاتب والإعلامي الأردني محمد أبوسماقة من الأسماء التي ارتبطت في السنوات الأخيرة بمحاولة تقديم الدراما الأردنية والعربية برؤية أكثر جرأة وواقعية، تقوم على الاقتراب من الإنسان في تفاصيله اليومية، بعيداً عن التجميل أو التنميط، وهو ما تجسّد بوضوح في مشروعه الدرامي الذي عُرف بثلاثية "الواقع بدون رتوش”.

هذه الثلاثية التي امتدت عبر ثلاثة أعمال رئيسية، شكّلت رؤية سردية متكاملة لا تقوم على تنوع منفصل في الموضوعات، بل على تطور تدريجي في الفكرة واللغة والبناء الدرامي، حيث جاءت الأعمال الثلاثة كحلقات في مشروع واحد يتشكل ويتطور مع كل تجربة جديدة.

بدأت هذه الرحلة مع مسلسل "ضوء أسود” (2017)، الذي أُنتج لصالح مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية، وجاء في 30 حلقة، مقدماً معالجة اجتماعية عميقة تتناول مناطق الظل في المجتمع، حيث تتقاطع الهشاشة الإنسانية مع التعقيد الأخلاقي، دون أحكام جاهزة أو نهايات مثالية.

ثم جاء العمل الثاني "الفندق” (أو "الطابق الأخير” كاسم مؤقت)، أيضاً في 30 حلقة، ليقدم نقلة نوعية في البناء الدرامي عبر توظيف المكان بوصفه عنصراً مركزياً في السرد، حيث يتحول الفندق إلى نموذج مصغّر للمجتمع، تتداخل فيه الطبقات الاجتماعية وتتقاطع فيه المصائر الإنسانية في فضاء واحد مغلق ومكثف. وقد حاز المسلسل على أعلى درجات التقييم من أكثر من لجنة متخصصة للتقييم، ما يعكس مستوى النضج الفني الذي وصل إليه العمل من حيث البناء الدرامي والمعالجة والإخراج العام للرؤية.

أما الجزء الثالث "ظلال خريف”، والذي يتكون من 17 حلقة، فيمثل المرحلة الأكثر نضجاً وتكثيفاً في التجربة، حيث تميل الدراما فيه إلى التأمل الهادئ في المصير الإنساني، وتتحول الحكاية من الامتداد السردي إلى العمق النفسي، في قراءة أكثر هدوءاً ومرارة للحياة وتحولاتها.

وعند قراءة هذه الثلاثية في مجملها، يمكن القول إن تجربة محمد أبوسماقة تقوم على مشروع واضح المعالم، يسعى إلى تقديم الواقع كما هو، دون تزيين أو اختزال، مع التركيز على الشخصيات في لحظاتها الأكثر هشاشة، وعلى تحويل المكان إلى عنصر فاعل في كشف المعنى وليس مجرد خلفية للأحداث.

وفي سياق المقارنة مع الدراما الاجتماعية المصرية، يمكن ملاحظة أن الدراما المصرية، كما أسس لها كبار الكتاب مثل أسامة أنور عكاشة ووحيد حامد، اعتمدت على اتساع الرؤية الدرامية وبناء عوالم اجتماعية واسعة تمتد عبر عائلات وطبقات متعددة، ما يمنح الحكاية بعداً تشريحياً للمجتمع بكل طبقاته وتناقضاته.

أما تجربة أبوسماقة، فتتجه في المقابل إلى التكثيف بدل الاتساع، وإلى التركيز على العمق النفسي والإنساني بدل الامتداد الأفقي، مع تقليل عدد الشخصيات المركزية لصالح تعميق الحالة الدرامية نفسها، وجعل الحدث وسيلة لاكتشاف الداخل الإنساني وليس مجرد سرد وقائع.

كما أن الدراما المصرية غالباً ما تحتفظ ببطل مركزي أو محور سردي واضح، بينما تميل تجربة أبوسماقة إلى تفكيك فكرة البطولة التقليدية لصالح شبكة من الشخصيات المتوازنة، ما يجعل الصراع أكثر تعقيداً وأقل خضوعاً لهرمية ثابتة.

ومع ذلك، يظل التقاطع بين التجربتين قائماً في الجوهر: الاهتمام بالإنسان العادي، والاشتباك مع قضايا المجتمع، والبحث عن دراما تعكس الواقع وتفسره. لكن الاختلاف الأساسي يكمن في الشكل والبناء، لا في الهدف والرؤية.

ويُضاف إلى تجربة أبوسماقة أيضاً مسلسل "فتنة”، الذي كتبه لصالح مؤسسة أبوظبي للإعلام عام 2019، من إنتاج المنتج الأردني المعروف إياد الخزوز، حيث مثّل العمل حضوراً مهماً في الدراما البدوية العربية. وقد حقق المسلسل نجاحاً وحضوراً لافتاً بوصفه عملاً بدوياً يستند إلى صراع إنساني واجتماعي داخل بيئة صحراوية غنية بالتفاصيل والقيم المتداخلة، مقدماً البادية ليس كخلفية تقليدية، بل كعالم حيّ تتحرك داخله الشخصيات ضمن صراعات تعكس التحولات الإنسانية والاجتماعية بعمق وواقعية.

الكاتب المهندس
خلدون عتمه
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير