النسخة الكاملة

قهوة غالية الثمن بمذاق ومصدر مذهلين!

الخميس-2026-04-30 11:10 pm
جفرا نيوز -
من العجائب أن أغلى فنجان قهوة في العالم لم يخرج من معمل متطور، ولا من مزرعة نموذجية، بل من مجاهل الغابة الاستوائية، وتحديدا من رحلة غريبة عبر أمعاء حيوان صغير ليلي.

هذا ليس مجرد خيال، بل قصة حقيقية لقهوة "كوبي لواك" أو "قهوة ابن عرس" الفيتنامية، ذلك المشروب الذي يثير الدهشة قبل أن يثير حاستي التذوق والشم.

فيما يعرف الجميع القهوة بأنواعها وطرق تحضيرها المختلفة، هناك نوع واحد نادر جدا لا يُزرع ولا يُقطف بالطريقة التقليدية، بل يُجمع من بين فضلات حيوان محدد، وهو ما يجعله غالي الثمن، ويضفي على قصته طابعا من الغموض والإثارة.

كل شيء بدأ بالصدفة في جزر إندونيسيا خلال القرن التاسع عشر، حين كان الاحتلال الهولندي في أوجه. كان المستعمرون يمنعون العمال المحليين من قطف حبوب البن الثمينة لاستخدامهم الشخصي، فالحق في هذا المحصول كان حكرا على السادة الأوروبيين فقط. لكن الطبيعة، كما هي دائما، لا تعترف بقوانين البشر.

هناك، كان حيوان صغير يدعى "زباد النخيل الآسيوي" أو "قط الزباد" يتجول بحرية بين أشجار البن، ويأكل أفضل ثمارها الناضجة دون أن يستأذن أحدا. لاحظ العمال المحرومون شيئا مدهشا: بعد أن يهضم هذا الحيوان لب الثمرة، تخرج حبوب البن من جسده كاملة، مغطاة بفضلاته، لكنها محلاة بشكل سحري.


جرب هؤلاء العمال جمع تلك الحبوب، ثم غسلها وتحميصها بعناية، فاكتشفوا أن القهوة الناتجة تتمتع برائحة استثنائية وطعم ناعم ومتوازن يخلو تماما من المرارة القاسية التي قد تصاحب القهوة العادية. هكذا تحول الظلم الاستعماري والضرورة القسرية إلى أغلى قهوة في التاريخ.

أما القصة الفيتنامية، فهي أكثر إثارة وترتبط بالحقبة الاستعمارية الفرنسية أواخر القرن التاسع عشر. حين جلب الفرنسيون القهوة إلى فيتنام، كانت حبوبها الذهبية حكرا عليهم، بينما مُنع المزارعون المحليون بشدة من تناولها. لكن حيوانات الزباد البرية، تلك الكائنات الليلية الذكية، لم تكن تخضع لأي حظر، وظلت تبحث بحرية عن أفضل ثمار البن وتأكلها. بعد رحلة الهضم العجيبة، كانت تترك الحبوب في البرية.

اكتشف فلاحون فيتناميون أذكياء هذه الحبوب "المهملة"، وبعد تنظيفها وتحميصها، وجدوا بأنفسهم أن المشروب الناتج يتميز بنكهة غنية وناعمة وأقل مرارة بكثير من أي قهوة عادية. ما بدأ كحيلة للالتفاف على الحظر الاستعماري، تحول مع الوقت إلى تراث وعلامة تجارية فاخرة لا يضاهيها سوى القليل.

كيف تحدث هذه المعجزة بالضبط؟ في البرية، تتغذى حيوانات الزباد على كرز البن الناضج، وعندما تصل هذه الحبوب إلى معدتها وأمعائها، تبدأ الإنزيمات الهاضمة عملها. تقوم هذه الإنزيمات بتفكيك البروتينات المسؤولة عن المرارة، وتعديل تركيب الأحماض الأمينية، ما يغير بشكل جذري النكهة والرائحة. تخرج الحبوب بعد ذلك مع الفضلات، ليقوم جامعون متخصصون بالبحث عنها في مناطق تجول الحيوانات، وجمعها، ثم غسلها جيدا وتجفيفها تحت أشعة الشمس قبل تحميصها. هذه العملية الطبيعية صعبة وتحتاج إلى جهد كبير، لأن الحيوانات في البرية انتقائية جدا، ولا تأكل إلا ألذ وأجود الثمار.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير