جفرا نيوز -
عقد معهد السياسة والمجتمع اليوم السبت مؤتمراً صحفياً كشف فيه عن تقريرٍ تحليليٍ جديدٍ يرصد اتجاهات الرأي العام الأردني عبر مواقع التواصل الاجتماعي تجاه الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، كاشفًا عن نمط متماسك من الرفض للتصعيد العسكري دون انحياز لأي من أطراف الصراع، في ظل حضور لافت لحالة من الحذر والترقب المرتبطة بتداعيات الحرب على الاستقرار الإقليمي.
ويستند التقرير إلى تحليل أكثر من 363.3 ألف منشور أردني، أنتجها ما يزيد على 31.3 ألف حساب عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبلغت تفاعلاتها أكثر من 13 مليون تفاعل، خلال الفترة الممتدة من 21 فبراير وحتى 5 أبريل 2026.
وتُظهر نتائج التقرير أن 54.1% من الأردنيين يرفضون الحرب دون أن يقفوا في صف إيران، فيما يتابع 39% من المتفاعلين تطوراتها دون تبني موقف سياسي معلن، في حين لا تتجاوز نسبة المتفاعلين بإيجابية مع أي طرف 6.9%، ما يعكس غياب الاصطفاف السياسي في الفضاء الرقمي الأردني.
ولا يمكن قراءة هذا النمط بوصفه حيادًا سلبيًا، إذ يكشف التحليل أن الرأي العام الأردني يميل إلى تجنب الاستقطاب الحاد، والتعامل مع الحرب بوصفها مصدر تهديد للاستقرار أكثر من كونها ساحة للاصطفاف السياسي أو الأيديولوجي، وهو ما يعكس تحوّلًا في أنماط التفاعل المجتمعي مع الأزمات الإقليمية.
وفي سياق تحليل المشاعر، يُظهر التقرير أن النقاش الأردني اتّسم بطابع سلبي واضح، إذ عبّر 66% من المتفاعلين عن مواقفهم بلغة الغضب، إلا أن هذا الغضب لم يكن موجّهًا لطرف بعينه، بل شمل مجمل أطراف الحرب، بما في ذلك الضربات الأمريكية–الإسرائيلية، والرد الإيراني، وتدخل حزب الله، في مؤشر على رفض شامل لمنطق التصعيد ذاته.
كما برزت إلى جانب الغضب مشاعر الحزن والخوف، حيث ارتبطت بمخاوف متزايدة من التداعيات الاقتصادية والإنسانية للحرب، خاصة في ظل ارتباط الأردن بأسواق الطاقة والممرات البحرية وتحويلات العاملين في دول الخليج، وهو ما انعكس بوضوح في النقاشات المرتبطة بالضربات التي طالت تلك الدول.
وعلى صعيد تطور النقاش، يشير التقرير إلى أن التفاعل الأردني مع الحرب مرّ بعدد من الذروات المرتبطة بالتطورات الميدانية والسياسية، حيث ارتفع بشكل حاد مع اندلاع الحرب، ثم استقر عند مستويات مرتفعة، ما يعكس انتقال النقاش من الصدمة اللحظية إلى المتابعة المستمرة.
وشكّل إعلان اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي إحدى أبرز لحظات الذروة في النقاش الأردني، حيث تم رصد أكثر من 21.7 ألف منشور خلال الأيام الأولى، أظهرت أن 62.5% من الأردنيين رفضوا الاغتيال بدوافع مرتبطة بالخوف من اتساع رقعة الحرب، في حين لم تتجاوز نسبة التأييد 3.1% وغلب عليها الطابع التهكمي. ويُظهر التحليل أن هذا الحدث، رغم كثافة التفاعل معه، بقي في إطار التفاعل اللحظي، إذ سرعان ما عاد النقاش للتركيز على السياق الأوسع للحرب وتداعياتها.
وفيما يتعلق بالمواقف من الأطراف الإقليمية والدولية، يُظهر التقرير رفضًا أردنيًا واسعًا للدور الأمريكي في الحرب، حيث عبّر 64.4% من المتفاعلين عن مواقف رافضة، مقابل نسب محدودة للتفاعل الإيجابي، مع حضور واضح لخطاب يُحمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤولية سوء التقدير الذي أسهم في إطالة أمد الصراع.
كما يعكس التفاعل الأردني مع تدخل حزب الله في الحرب موقفًا رافضًا، بالتوازي مع رفض الرد الإسرائيلي، حيث عبّر غالبية المتفاعلين عن قلقهم من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على لبنان والمنطقة، مع حضور واضح لخطاب التضامن الإنساني مع المدنيين.
وفي سياق متصل، شكّلت الضربات الإيرانية على دول الخليج لحظة صدمة في النقاش الأردني، حيث تم رصد أكثر من 23.1 ألف منشور تناولت هذا الحدث، وارتبطت غالبية التفاعلات برفض استهداف تلك الدول، والتعبير عن مخاوف اقتصادية مباشرة تتعلق بأسعار الطاقة، وتحويلات العاملين، وأمن الممرات البحرية.
كما امتد النقاش الأردني ليشمل الدور الروسي في الحرب، حيث أظهرت التفاعلات نزعة نقدية، مع رفض غالبية المتفاعلين لموقفها، خاصة في ظل غياب دور واضح في الدفع نحو التهدئة.
وعلى المستوى الداخلي، أظهر التقرير تمركز غالبية النقاش في العاصمة عمّان، مع مشاركة من مختلف المحافظات، فيما بيّن أن الفجوة الجندرية كانت في حجم المشاركة لا في طبيعة المواقف، حيث يتقاسم الأردنيون والأردنيات الاتجاهات ذاتها تجاه الحرب.
ويشير التقرير إلى أن هذه النتائج تعكس النقاش العام المعلن عبر المنصات الرقمية، في حين يبقى جزء من التفاعل ضمن فضاءات مغلقة، كما قد تتأثر أنماط التعبير بالاعتبارات القانونية والاجتماعية المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وفيما يتعلق بالمنهجية، اعتمد التقرير على تحليل بيانات النقاش العام الأردني عبر أدوات الاستماع الرقمي المتخصصة، التي تتيح رصد وتتبع المحتوى المنشور على منصات التواصل الاجتماعي وتحليل اتجاهاته ومشاعره، مع إخضاعها لمزيج من التحليل الكمي والنوعي، والتحقق من دقة البيانات عبر استبعاد الحسابات غير الحقيقية والمحتوى غير العضوي.
ويخلص التقرير إلى أن الرأي العام الأردني لم يعد يتعامل مع الحروب الإقليمية بمنطق الاصطفاف أو الحشد، بل يميل إلى مقاربة حذرة تحكمها حسابات الاستقرار والكلفة، حيث تتقدّم المخاوف الاقتصادية والأمنية على الاعتبارات الأيديولوجية، في مؤشر على تحوّل في أنماط التفاعل المجتمعي مع أزمات المنطقة نحو مزيد من الحذر والبراغماتية.
ويُذكر أن معهد السياسة والمجتمع هو مركز تفكير مستقل مقره عمّان، يعمل على إنتاج المعرفة وتحليل السياسات العامة، مع التركيز على قضايا التحول السياسي والاجتماعي في الأردن والمنطقة، ويتبنى نموذج "think and do tank” الذي يجمع بين البحث العلمي والعمل التطبيقي من خلال برامج تدريبية وحوارات سياسات وشراكات إقليمية ودولية.