عقد منتدى الدكتور محمد الحموري للتنمية الثقافية ندوة حوارية ضمن سلسلة «سؤال المنعة والنهضة»، بعنوان «المنعة الاقتصادية في ظل التحولات السياسية والإقليمية»، بمشاركة وزراء سابقين وخبراء اقتصاديين، وبحضور رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، حيث ناقش المشاركون واقع الاقتصاد الأردني وقدرته على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
وأكد المشاركون في مستهل الندوة أهمية تعزيز الحوار حول القضايا الاقتصادية الاستراتيجية، مشيرين إلى أن هذه اللقاءات تسهم في توسيع آفاق الفهم والتحليل وبناء رؤى أكثر عمقًا لمستقبل الاقتصاد الوطني، إلى جانب دور المنتدى في تنظيم فعاليات دورية تعالج قضايا محورية تمس الشأن المحلي والإقليمي والدولي، بما يعزز الوعي المجتمعي ويخلق مساحة لحوار جاد ومسؤول.
وتناولت الندوة مفهوم «المنعة الاقتصادية» في ظل تصاعد الأزمات العالمية، حيث طُرح تساؤل حول موقع الأردن ضمن المؤشرات الدولية، ومدى قدرته على الصمود والتعافي في مواجهة الصدمات الاقتصادية.
وقالت الرئيس التنفيذي لمنتدى الاستراتيجيات الأردني ووزيرة التنمية الاجتماعية الأسبق، نسرين بركات، إن مفهوم المنعة الاقتصادية لم يعد يقتصر على الصمود، بل يشمل القدرة على التكيف واستثمار الأزمات لتحقيق نمو مستدام.
وأوضحت أن المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُعرّف المنعة من خلال بعدين رئيسيين: القدرة اللحظية على امتصاص الصدمات، والقدرة الديناميكية على التعافي وإعادة البناء واستعادة النشاط الاقتصادي.
وأضافت أن تقرير «الإسكوا» لعام 2023 اعتمد 29 مؤشرًا لقياس المنعة الاقتصادية، موزعة على محورين رئيسيين هما: تفادي الهشاشة والقدرة على امتصاص الصدمات، مشيرة إلى أن الأردن سجل مستوى منعة متوازنًا مقارنة بمستوى دخله، مع هشاشة منخفضة نسبيًا، وقدرات جيدة في الجوانب الاجتماعية والمؤسسية، مقابل تحديات تتعلق بضيق الحيز المالي.
وبيّنت بركات أن الاقتصاد الأردني أظهر مؤشرات إيجابية خلال السنوات الماضية، من أبرزها محدودية تراجع النمو خلال جائحة كورونا مقارنة بدول المنطقة، واستقرار معدلات التضخم، ونمو الصادرات الوطنية التي تجاوزت 9.5 مليار دينار عام 2025، إضافة إلى تحسن الاعتماد على الذات، حيث غطّت الإيرادات المحلية نحو 76% من النفقات العامة دون المنح.
من جهتها، أكدت وزيرة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق، ناديا السعيد، أن السياسة النقدية في الأردن، بقيادة البنك المركزي، أسهمت في الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، من خلال السيطرة على معدلات التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية التي تغطي ما بين 9 إلى 10 أشهر من المستوردات.
وأشارت إلى أن الجهاز المصرفي الأردني يتمتع بمتانة عالية، حيث تبلغ نسبة كفاية رأس المال نحو 18%، متجاوزة المتطلبات الدولية البالغة 12%، إضافة إلى مستويات سيولة مريحة ونسب تعثر منخفضة تقارب 5.6%، ما يعزز قدرة البنوك على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالتحديات، أوضحت السعيد أن الاقتصاد الأردني يواجه مشكلات هيكلية، أبرزها محدودية معدلات النمو وارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب، إلى جانب تدني المشاركة الاقتصادية للمرأة، مؤكدة أهمية توجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية وتعزيز دور البنوك في دعم النمو وخلق فرص العمل.
كما لفتت إلى أن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الأردن يُعد من القطاعات المتقدمة في المنطقة، بفضل بنية تحتية قوية وتنافسية عالية، ما يسهم في دعم التحول الرقمي وتعزيز المنعة الاقتصادية.
بدورها، أكدت وزيرة الطاقة والثروة المعدنية الأسبق، هالة الزواتي، أن قطاع الطاقة يمثل ركيزة أساسية في تحقيق المنعة الاقتصادية، مشيرة إلى أن الأردن نجح في تأمين إمدادات الطاقة خلال الأزمات، بما في ذلك جائحة كورونا، دون انقطاعات تُذكر رغم التحديات الكبيرة.
وأوضحت أن المملكة انتقلت من الاعتماد على مصدر واحد للغاز قبل عام 2011 إلى تنويع مصادر الطاقة، بما يشمل الغاز الطبيعي والغاز المسال ومصادر محلية، ما عزز القدرة على مواجهة الأزمات وضمان استمرارية التزويد.
وبيّنت الزواتي أن الأردن يمتلك احتياطيات استراتيجية من المشتقات النفطية تكفي لفترات تصل إلى شهرين، ما يعزز القدرة على الصمود، رغم الكلف المالية المرتفعة التي تتحملها الدولة للحفاظ على استقرار الأسعار ودعم الطاقة.
وأضافت أن دعم الطاقة يشكل عبئًا على المالية العامة، مشيرة إلى أن كلفة دعم المشتقات النفطية قد تصل إلى نحو 75 مليون دينار شهريًا، ما يستدعي تعزيز كفاءة الاستهلاك وتخفيف الضغط على الموازنة العامة.
وفي ختام الندوة، شدد المشاركون على أن الأردن يمتلك عناصر منعة اقتصادية مهمة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز النمو، وتحقيق توازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات التنمية المستدامة.