النسخة الكاملة

الأردنيون : «بنصيف مع الجيش وبنشتي معه»

الخميس-2026-03-26 09:04 am
جفرا نيوز -
في الذاكرة الأردنية، عبارة «بنصيف مع الجيش وبنشتي معه» لا تدل فقط على انتماء الأردني لجيشه وتعلقه فيه، بل أيضًا هي اشارة ورمزية لارتباط الناس بمواسمهم، وبإيقاع الطقس الذي يحدد تفاصيل الحياة اليومية.

الأول من تشرين الثاني ، في الجيش هو موعد اللباس الشتوي، حيث تُلبس جرزة الصوف الخاكية فوق القميص. وفي عرف الأردنيين نؤمن بمواعيد الجيش لأنه بوصلة الوطن الصادقة ، والجيش لا يخطئ أبدا . ومع حلول آيار يظهر الزي الصيفي في اشارة لقدوم الدفء.

ومع أول دفء يلامس الأجواء في آذار، يبدأ كثيرون في استحضار هذه المقولة، كأنها إعلان غير رسمي أن البرد لم ينته وللشتاء كلمته . اليوم الواقع المناخي، كما يؤكده مختصون، يقول:  ما زال الوقت مبكرًا جدًا على وداع الشتاء.

فشهر آذار، رغم تقلباته، يُعرف تاريخيًا بأنه شهر «المفاجآت الجوية»، حيث تتداخل فيه ملامح الفصول، فتأتي أيام دافئة تُشبه الصيف، يعقبها انخفاض حاد في درجات الحرارة، وأمطار قد تكون غزيرة في بعض الأحيان. ولا يختلف الحال كثيرًا في نيسان، الذي يحمل في طياته ما يعرف شعبيًا بـ»شتوة نيسان»، وهي من أكثر الظواهر حضورًا في التراث الأردني، ليس فقط كحالة جوية، بل كرمز للحياة والتجدد.

«شتوة نيسان» في الموروث الشعبي ليست مجرد مطر عابر، بل تُوصف بأنها «مطر الخير»، الذي يحيي الأرض بعد سباتها، ويمنح المزروعات دفعة أخيرة قبل دخول الصيف. الفلاحون ينتظرونها بشغف، ويعتبرونها مؤشرًا على موسم زراعي جيد، فيما يرى فيها كبار السن علامة على توازن الطبيعة واستمرار عطائها. حتى في الوجدان الجمعي، ارتبطت هذه الأمطار بفكرة البركة، حيث يُقال إن «مطر نيسان بيحيي الإنسان»، في إشارة إلى أثره النفسي والمعنوي إلى جانب أثره البيئي.

ورغم موجات الدفء التي قد توحي بقرب الصيف، إلا أن التوقعات الجوية ما تزال تشير إلى استمرار فرص الهطولات المطرية خلال الأسابيع المقبلة، مع احتمالية عودة الأجواء الباردة، خاصة خلال ساعات الليل. هذا التذبذب يُعد سمة طبيعية لهذه الفترة الانتقالية، لكنه في الوقت ذاته يتطلب حذرًا في التعامل مع الطقس، سواء من حيث اختيار الملابس أو تنظيم الأنشطة اليومية.

تقلبات الطقس تعيد المخاوف الصحية إلى الواجهة

مع تذبذب درجات الحرارة في المملكة بين الارتفاع والانخفاض خلال الأيام الأخيرة، يعود المشهد الصحي إلى دائرة القلق الموسمي، حيث تتزايد التحذيرات من تأثير هذه التقلبات على الجهاز التنفسي والمناعة، خاصة مع استمرار الأجواء الباردة وتبدلها المفاجئ.

في العيادات والمراكز الصحية، يلاحظ الأطباء ارتفاعًا تدريجيًا في أعداد المراجعين الذين يعانون من أعراض تنفسية متفاوتة، تبدأ بنزلات البرد الخفيفة، وقد تتطور لدى البعض إلى التهابات أكثر تعقيدًا، لا سيما بين الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. ويؤكد مختصون أن هذا النمط يتكرر سنويًا، إلا أن حدته ترتبط بشكل مباشر بدرجة استقرار الطقس ومدى التزام الأفراد بالإجراءات الوقائية.

الأطباء يشيرون إلى أن الأجواء المتقلبة تخلق بيئة مثالية لانتقال العدوى، خصوصًا في الأماكن المغلقة التي تفتقر إلى التهوية الجيدة، حيث يزداد الاحتكاك بين الأفراد. ويبرز هذا الخطر بشكل أوضح بين الأطفال، خاصة أولئك الذين يرتادون الحضانات والمدارس، حيث تساهم المساحات المشتركة في تسريع انتشار الفيروسات.

وفي هذا السياق، يلفت مختصون إلى أن الجهاز التنفسي يكون أكثر حساسية خلال الشتاء، ما يجعله عرضة للتأثر بعوامل متعددة، من بينها التدخين والتعرض المفاجئ لاختلاف درجات الحرارة. فالتنقل السريع بين أجواء دافئة وأخرى باردة قد يربك الجسم ويضعف مقاومته، وهو ما يستدعي، بحسب الأطباء، الحذر في اختيار الملابس المناسبة وتجنب التغيرات المفاجئة قدر الإمكان.

ولا تقتصر التأثيرات على الأمراض التنفسية فقط، إذ تمتد إلى مرضى الحالات المزمنة، الذين يواجهون تحديات إضافية في هذا الوقت من العام. فمرضى ضغط الدم، على سبيل المثال، قد يلاحظون ارتفاعًا في قراءاتهم نتيجة برودة الطقس وقلة النشاط البدني، فيما يتأثر مرضى السكري بعوامل مثل الجفاف وزيادة الوزن الموسمية، ما يؤدي إلى اضطراب مستويات السكر لديهم.

هذه المؤشرات تدفع الأطباء إلى التأكيد على أهمية المتابعة الدورية للحالة الصحية، والالتزام بالعلاج الموصوف، إلى جانب تبني نمط حياة متوازن يشمل التغذية السليمة والنشاط البدني، حتى في أبسط أشكاله داخل المنزل.

في المقابل، تبرز مسألة الاستخدام العشوائي للأدوية، خصوصًا المضادات الحيوية، كواحدة من القضايا التي تثير قلق المختصين، حيث يشددون على ضرورة عدم اللجوء إليها إلا عند الحاجة وتحت إشراف طبي، والاكتفاء في كثير من الحالات بالعلاجات البسيطة مثل خافضات الحرارة ومسكنات الألم.

ومع التحذيرات المتكررة من احتمالية تشكل عواصف غبارية خلال هذا الفصل، تتضاعف الحاجة إلى اتخاذ احتياطات إضافية، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة مثل مرضى الربو والحساسية. وينصح الأطباء في مثل هذه الظروف بتقليل الخروج من المنزل إلا للضرورة، وإغلاق النوافذ، واستخدام الكمامات عند التعرض للغبار، إضافة إلى تنظيف الأنف والفم بعد العودة إلى المنزل لتقليل تأثير الجزيئات العالقة.

كما يظل الالتزام بالإجراءات الوقائية العامة عنصرًا أساسيًا في الحد من انتشار الأمراض، بدءًا من التهوية الجيدة للأماكن المغلقة، مرورًا بتجنب الازدحام، وصولًا إلى أهمية الحصول على المطاعيم الموسمية، خاصة مطعوم الإنفلونزا للفئات الأكثر عرضة.

وسط هذه التغيرات، تبدو الرسالة الطبية واضحة: الوقاية لم تعد خيارًا، بل ضرورة يومية تفرضها طبيعة الموسم. وبين طقس متقلب وأجسام تحاول التكيف، يبقى الوعي الصحي هو خط الدفاع الأول للحفاظ على سلامة الأفراد والمجتمع.

الدستور-رنا حداد



© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير