د. دانا خليل الشلول
بين أزقةٍ يحرُسها الوفاء، وتفاصيل حياةٍ صهرها 'العيشُ والملح'، تُكتب في الأردن ملاحمُ إنسانيةٍ صامتة تكسرُ نصال الكراهية قبل أن تصل إلى القلوب. هنا، لا تقف 'الفزعة' عند حدودِ النخوة العابرة، بل تتجلى كفعل مقاومةٍ مدنيٍّ يرمم بوعي الميدان ما أفسده ضجيج التحريض، مسنودةً بظهيرٍ قانوني وقيمي يجعل من التنوع حصناً لا ثغرة، ومن سيادة القانون ميثاقاً يحمي كرامة الإنسان في وجه كل خطابٍ دخيل.
"الفزعة النسويّة" تُنقذ ضحيّة ابتزاز من الانتحار وتُرمم نسيج المجتمع
"كان الانتحار هو الحل الأول والوحيد أمامي للخلاص مما ظننته مصيبة لن أتخطاها ولن يسامحني الناس عليها دون أن يفهموا مأساتي."، بهذه الكلمات بدأت عبير (20) عاماً قصة معاناتها التي بدأت بعد أن اجتاحت صورتها المفبركة مجموعات "الفيسبوك"، وتعلّق عبير على ما حدث "بدأت التعليقات السلبيّة والشتائم تنهال علي ويطعنوا بشرفي بدون شفقة أو رحمة رغم أني ما بعرف مصدر هالصور." وتابعت عبير قصتها ومعاناتها التي كانت ستدفعها لإنهاء حياتها "هون حسيت خلص الدنيا رفضتني والمجتمع نبذني وبدأت بخطة لأسمم حالي وأمشي من هالدنيا وربنا عالم بحالي."، حيث كانت معاناة عبير متشعّبة نظراً لظروفٍ اجتماعيّةٍ خاصة مبينةً هذا بقولها "أنا يتيمة الأب عايشة مع أمي وخواتي وشبه مقطوعين من شجرة بس صار هيك حسيت ما الي حد يدافع عني ولا يوقف معي والكل بستوطي حيطنا." حيث تُبيّن عبير بأنَّ والدتها شعرت بالعار وخشيت على أخواتها من التنمر الذي سيصيبهن بسبب ما حدث، وكانت تُفكّر بالرحيل عن المحافظة لشعورها بالعار من الظلم الذي وقع علي دون ذنبٍ.
وأكملت عبير هذه القصة التي وجدت النور في لحظاتها الأخيرة؛ حيث اتصلت بهم وسيدة لا تربطهم بها أي معرفة سابقة من النساء الناشطات لأنها سمعت بقصتها وأصرت على اصطحابها بسيارتها الخاصة لأقرب وحدة جرائم إلكترونيّة والسير بالإجراءات القانونيّة لإثبات براءتها، ورفضت أن تكتفي بالصمت، لتكون بجانب عبير ليثبُت أنَّ التقارير الفنيّة أثبتت زيف الصور المنشورة.
كما أشادت عبير بدور وحدة الجرائم الإلكترونيّة وطريقتهم الاحترافيّة بالتعامل وحذف الصور، والتعامل مع الحسابات وأصحابها بسرعة كبيرة ضمن الإجراءات واللوائح القانونيّة، واستيعاب حالة الانهيار التي كانت فيها والتعامل معها بهدوء وأخوّة معبرةً عن ذلك بقولها "حسيتهم أهلي واخواني وسند وخايفين علي كإنهم بعرفوني من زمان.".
ولم تنهتي قصة عبير بالحل القانوني؛ حيث تقول بأنَّ السيدة التي ساعدتها بحل المشكلة قانونيّاً من خلال وحدة الجرائم الإلكترونيّة، أصرت على خرطها بالمجتمع والندوات التدريبيّة، وتوضيح موقفها، والحفاظ على سمعتها، وحضورها للمناسبات الاجتماعية، لتكون هذه السيدة مدافعة شجاعة عن عبير أمام الجميع رغم عدم وجود علاقة تربطها بها، وتقول عبير " تحولت نظرات الشك لي في الحي إلى نظرات فخر واحتضان، وعدت لحياتي برأس مرفوع بفضل "فزعة" سيدة لم تخذلني دون أن أطلب منها."
سلاح "العشرة والعيش والملح": في مواجهة الحصار الرقمي والتحريض
في أحد المحافظات في شمال الأردن، واجهت السيدة السوريّة "مريم" صعوبات وتردد لانخراطها في المجتمع نتيجة حرب باردة شعرت بها بدأت بمنشورات تحريضية على مجموعات "الواتساب" و"الفيسبوك" تتهم اللاجئين بخنق الأرزاق، وزيادة البطالة، لتشعر بالجفاء والخوف من مغادرة منزلها، وكأن الشاشة وضعت حاجزاً غير مرئي بينها وبين جيرانها. لكن جارتها الأردنيّة "أم رائد" قررت كسر هذا الحصار؛ طرقت باب مريم وطلبت منها إعداد "وليمة شامية" تجمع نساء الحي، وتقول مريم "مع أول لقمة وحديث عن أوجاع اللجوء وصبر الغربة، ذاب الجليد بيننا وانفتحلي باب رزق من (10) سنين لليوم وكل الناس صارت تطلب مني وتحب طبخي". وتابعت مريم " تحولت بعيونهم من "جارة لاجئة" وحيدة لأخت وصار عندي عزوة وعيلة بالأردن."، حيث تغيّرت حياة مريم وأصبحت معيلة لأسرتها وتغيرت لهجة الحي من التحريض إلى الترحيب، ليُثبت المجتمع الأردني أنَّ مائدة المحبة أقوى من أقسى الخوارزميات.
جسور التراحم الرقميّة: تكنولوجيا تُسخَّر للتراحم والإخاء، وتحوِّل "الديلفري"إلى أداة محبة ومواساة بين أبناء الوطن الواحد
"هذا الفطور إلك بس بالله عليك ادعي لأمي بالرحمة وادعيلي يصبر قلبي"، بدموعٍ خجولة خرجت
هذه الكلمات من محمد (23) سنة الشاب الذي يعمل بتوصيل الطلبات على أحد تطبيقات التوصيل
المشهورة في الأردن، فيقول محمد كنت أعمل قبل موعد أذان المغرب على توصيل الطلبات كالمعتاد
لتوفير لقمة عيش حلال أسند بها عائلتي وأدفع أقساط جامعتي، رغم أنني أتمنى أن أفطر
مع عائلتي لكن "لقمة العيش صعبة ومرة مغمّسة بالدم"، ووصلني طلب من أحد
المطاعم بوجبة كبيرة ودسمة لأذهب لتوصيله كالمعتاد، ليردني اتصال من صاحب الطلب
وكنت أظنه يريد استعجالي لإيصال الطلب قبل الأذان، لكنني تفاجأت أنَّه يخبرني
بصوتٍ يلمؤه الدفء والحنان بأنَّ هذا الإفطار لي قائلاً " هذا الطلب طلبته لشب
اللي بدو يوصله وطلع نصيبك لا تنسانا من دعائك والله يوفقك"، وكان الحساب
مسدداً بالفيزا، لم يكن معي وقتها إلا ثلاث تمرات وكاسة ماء صغيرة لأفطر بها ريثما
أصل للمنزل، وأكمل محمد "هالموقف عمري ما بنساه لو عشت مليون سنة ولا بنسى
دموعي وقتها إللي نزلت من قلب محروق وحسيت إني مش لحالي."، واستمر محمد في
وصف الموقف "يمكن كانت أكثر مرة بدعي فيها من قلبي ولليوم كل ما بتذكر بدعيله
وبترحم عأمه لأنه كان سند بدون ما أعرفه ولا أشوفه."
صيام ومحبة: الهلال والصليب في خندقٍ واحدٍ ضد "الذباب الإلكتروني"
أما في مادبا، قُبيل الغروب في رمضان، يتجلى المشهد اليومي بوقوف الشاب المسيحي "شادي" عند إشارات مادبا، يوزع الماء والتمر على الصائمين بحبٍّ وابتسامة صادقة، ويقول "محمد"(أبو أحمد) (45 عاماً) حين تعطلت مركبتي وأنا متوجّه للإفطار في محافظة أخرى، لم يتردد شادي لحظة واحدة في اصطحابهم للإفطار في منزله مع أسرته، حيث همّوا لتحضيرإفطار لنا قبل موعد الأذان بسرعة البرق، ويقول شادي على لسان (أبو أحمد) "فرحتي برمضان كإنه عيد وما بقدر ما آخذ أجر إفطار صائم ودعوته مع الأذان"، بينما يُعبّر أبو أحمد بكلماتٍ عفويّة عن التسامح والإخاء في الأردن "بلدنا ما بتعرف إلا الحب والأخوة والتسامح والفزعة للقريب والغريب ومرار الطريق"، مبدياً استغرابه عما يراه أحياناً من مشاداتٍ غريبة على مواقع التواصل الاجتماعي حول الأديان والقبول الديني واصفاً الأشخاص الذين يقومون بها بـ "الذباب الإلكتروني"وتابع أبو أحمد وصف مشاعره وحرصه على التكافل الديني وتقارب الأديان " الصيام والأديان أمانة يحرسها الصليب والهلال"؛ فيما تأتي هذه الكلمات العفويّة الصادقة كرسالة ميدانيّة صاعقة لكل من يحاول تصوير الدين كمساحة للنزاع.
أبعد من مجرّد واجب.. حين ترمم عشرة العمر وتآخي الأديان انكسار الروح وألم الفقد..
"كنت بعاني من اكتئاب شديد بعد وفاة أمي خلاني أحس ما في عيد ولا فرح ولا حياة"، هذه الكلام الذي وصف به السيد جورج (أبو ميشيل (45)) عاماً شعوره في العيد، حيث يقول أنّه فقد بهجة الحياة بعد رحيل والدته التي توفيت ولم لديه أي رغبة للاحتفال مع أسرته وعبّر عن ذلك بقوله "بطل إلي نفس أعيش ولا أكمل بحياتي"، لكنه تفاجأ بقدوم أصدقائه المسلمين ومعهم المناسف للعشاء معي أنا وعائلتي لمواساتي، ويقول أبو ميشيل "رجعولي الروح والحياة بعد ما حسيت إني طفيت والقهر عبى بيتي وروحي."، وتابع أبو ميشيل "هذول أصدقاء عمري وطفولتي وبفقدهم وبطلبهم أكثر من اخواني إللي تغربوا برا وبشوفهم مرة بالسنة."
"الخبز والماء" يكسران حصار الكراهيّة، والحكمة تهزم "فوبيا المعتقد"
بينما هاشم (33) سنة شاب يملك محلاً تجارياً في أحد الأسواق الأردنيّة القديمة، ويقول هاشم "بدأت مشكلتي عندما علِم بعض التجار بأنني من ديانة وأصول تعتبر أقليّة جداً في الأردن وهناك فكرة مغلوطة عنها بين بعض الناس، وما أن وصل الخبر لبعض التجار في السوق الذي أعمل فيه، ليبدأوا حملة تحريض شرسة ضدي دون ذنبٍ مني رغم أنهم لم يروا مني إلا كل خير وحسن معاملة، واستمروا بتنمرهم بتهامسهم ضدي وعبر مجموعات "الواتساب" الخاصة بالتجار، التي أخرجوني منها وتجاهلوني تماماً."، وتابع هاشم كلامه بوصف المرحلة التي مر فيها "حسيت الدنيا سودا بوجهي وإني رح أخسر باب رزقي وكنت أعد ساعات الشغل بالثانية.".
وتابع هاشم "تدخل جار لي في السوق يُدعي (أبو هاني) بحكمته ووقاره ليُنهي حالة التنمر والجفاء التي كنت أتعرّض لها، لكن (أبو هاني) حسم الأمر بحنكته ولطفه، حيث وضع كرسيه أمام باب محلي وتحدث بصوتٍ عالٍ "أنت يا هاشم ابني واللي بيجي فيك يعني إجا فيي، إحنا ميتنا وخبزنا واحد وهالبلد ما فيها محل غير للمحبة وأنت ابني بعهد الله."، ويقول هاشم "كلمة عمي أبو خالد كانت بلسم أقوى من مليون متنمّر ومُحرِّض وانصلحت الأمور بالتدريج وكأنَّ شيئاً لم يكن."
خلف جدران التنمر: كيف يغتال خطاب الكراهية طموح ذوي الإعاقة؟
في الوقت الذي لا تكون فيه النهايات دائماً جميلة، حيث أنَّ الفزعة العفويّة قد تقف أحياناً عاجزة أمام أسوار التنمّر الممنهج، كما في حالة الشاب رامي (22) ربيعاً من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي بدأت قصته وهو على مقاعد الدراسة وعبّر عن حزنه بأنَّه لم يستطع إكمال تعليمه كأي شخصٍ طبيعيٍ وعبر عن مشاعره بصوتٍ مرتبكٍ تملؤه البحة "انحرمت من إني أكمل تعليمي بالمدرسة وأعيش الجامعة زي باقي البشر بس لأني "معاق" بنظرهم وما خلصت من تنمرهم ولو سكت لسانهم ما بتسكت نظراتهم."، واصفاً بذلك السبب الذي منعه من إكمال تعليمه بالانتظام وانسحابه من التعليم في المدرسة على عمر (15) عاماً، وتابع رامي كلامه "تركت المدرسة ودرست بالبيت وقدرت أنجح وأنا وحيد وسجلت جامعة (Online)، وقربت أتخرج بس ضليت وحيد."، كما عبّر رامي عن رغبته بإكمال دراسته والعمل وأن يُصبح له مصدر دخل مستقل يعتمد به على نفسه، مبدياً رغبته في أن يبقى وحيداً حتى في العمل قائلاً "بدي شغل عن بعد زي دراستي لأني مش قادر أضل أتعامل مع الناس وتجريحها ونظراتها لأنهم وبشوفوا إعاقتي مابشوفوا شغلي وطاقتي فخليني بحالي أحسن."
من الفزعة العفوية إلى المؤسسة الفكرية: خارطة طريقٍ مدنيّة لمواجهة خطاب الكراهيّة وتعزيز السلم المجتمعي
فيما تتكامل القيم الفطرية الراسخة في المجتمع الأردني مع الجهود المؤسسية الدؤوبة لمنظمات المجتمع المدني في كافة محافظات المملكة، والتي تُشكِّل ركيزة أساسية في حماية السلم المجتمعي وتعزيز قيم التعايش ونبذ خطاب الكراهية. وتتجسد قوة هذا القطاع في حضوره الواسع؛ إذ تشير أرقام التحالف الوطني الأردني للمنظمات غير الحكومية (جوناف) إلى وجود بنية تحتية صلبة تضم حوالي (6612) جمعية، و(1500) جمعية تعاونية، و(1400) شركة غير ربحية، إضافةً إلى (250) فرعاً لمنظمات أجنبية. ولا تكتفي هذه المنظمات برفع الشعارات، بل تحولها إلى برامج تدريبية مكثفة تستهدف الشباب وقادة المجتمع لتمكينهم من مهارات الحوار وتفكيك الصور النمطية. ويهدف هذا الحراك المؤسسي إلى تعميق الفهم المشترك وتقارب الأديان، وتحويل ردود الفعل العاطفية العابرة أو 'الفزعة' إلى سلوك مدني مستدام وممنهج، يؤمن بأن احترام التنوع هو الدرع الحقيقي لحماية الاستقرار المجتمعي في مواجهة التحديات والأعاصير الرقمية المعاصرة.

شبكة نايا المجتمعيّة: شراكات مؤسسيّة لمحاصرة بؤر التوتر والتنمر ونبذ الكراهية
وفي ذلك، تقول المديرة التنفيذيّة لشبكة نايا المجتمعيّة في محافظة الزرقاء السيدة آيات شاويش، بأنّهم يؤمنون بأنَّ مواجهة خطاب الكراهية تبدأ بخلق مساحات آمنة للحوار تحترم التنوع؛ لذا شكلوا لجانًا تشاركية لمعالجة بؤر التوتر.
وتابعت شاويش"ولأن السلم المجتمعي يحتاج تعاوناً مؤسسياً، عملنا مع وزارة التنمية الاجتماعية على برنامج 'التدابير البديلة' لإعادة دمج الأفراد إيجابياً، وبالشراكة مع منظمة ((DIGNITY وركزنا على وقاية الشباب من العنف الحضري وتدريبهم على التفكير النقدي. كما استثمرنا في القطاع التربوي مع وزارة التربية والتعليم لتمكين المرشدين في المدارس من أدوات الحد من التنمر، لضمان بناء قدرات مستدامة قادرة على نشر ثقافة الاحترام والوقاية من العنف.


جزء من تدريبات "شبكة ناي المجتمعيّة" لتعزيز السلم المجتمعي ومواجهة خطاب الكراهيّة لمختلف الفئات العمرية
وأضافت الشاويش: "إنَّ إيماننا بضرورة خلق مساحات آمنة تحترم التنوع والاختلاف وتدعم قبول الآخر دفعنا لإطلاق 'نادي بين المجمعين'؛ وهي مبادرة شبابية نفخر بأنَّها جاءت لتعزيز الهوية الوطنية والحد من العنف، خاصة في ظل التحديات والخطابات العنصرية التي قد تستهدف بعض الفئات الشبابية في الأردن.
وتقول الشاويش "لقد أثبتت هذه المبادرة التي قادها الشباب بأنفسهم أنَّ ربط الشباب بوطنهم عبر محاور الهوية والتعايش والحوار هو الرد العملي على محاولات الفرقة. مؤكّدةً أنَّ هذا يحدث من خلال توفير هذه المساحة الآمنة لنقاش دور الشباب في بناء المجتمع.
وختمت الشاويش حديثها "نجحنا في تحويل شعور المسؤولية والانتماء إلى ممارسة واقعية، تتماشى تماماً مع نهجنا المؤسسي في محاصرة بؤر التوتر وتدريب الشباب على التفكير النقدي لمواجهة العنف الحضري والتنمر بوعي وثبات."

جانب من أنشطة شبكة ناي في مبادرة "بين المجمعين"
مركز قلعة الكرك: أدوات عمليّة لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز السلم المجتمعي
بينما أكدت المدير التنفيذي لمركز قلعة الكرك للاستشارات والتدريب، الأستاذة إسراء محادين، أنَّ المركز يضع في مقدمة أولوياته خلق مساحات آمنة للحوار وتعزيز السلم المجتمعي، مشيرةً إلى أنَّ الرؤية المؤسسية تنطلق من تمكين النساء والشباب ليكونوا شركاء فاعلين في التنمية وسيادة القانون. وأوضحت محادين أنّهم يعملون بشكل مكثف على مكافحة خطاب الكراهية والعنف الرقمي من خلال برامج ريادية، أبرزها مشروع "مساحات للحوار" الذي يربط الشباب بصناع القرار، ومشروع "تماسك" المعني بأجندة المرأة والأمن والسلام، إضافة إلى مشروع "قادة المستقبل" لتمكين القيادات الشابة سياسياً. كما شددت محادين على الدور المحوري للمركز في مناهضة العنف الإلكتروني الموجه ضد النساء، مدعوماً بإصدارات مرجعية متخصصة مثل "دليل السلامة الرقمية" وتقرير "سياسيات تحت القصف الرقمي"، بجانب تشغيل "العيادة الرقمية" لتقديم الدعم الفني والتقني، وإطلاق مبادرات نوعية مثل "مشروع تعزيز السلامة الرقمية للناشطات والأعضاء المنتخبات" لمواجهة مخاطر التكنولوجيا وتأثيراتها على المشاركة العامة.
وتابعت محادين موضحةً أنَّ المركز يولي عناية فائقة للفئات المهمشة، ولا سيما النساء في المناطق النائية، لضمان إدماجهن في الحياة العامة عبر برامج تدريبية متخصصة تيسر وصولهن إلى مواقع صنع القرار المحلي، بالتوازي مع أوراق سياساتية متخصصة تبحث في "واقع النصوص القانونية ومعالجة الجرائم الإلكترونية" لحماية النوع الاجتماعي في الفضاء الرقمي. وأضافت محادين أنَّ نطاق عمل المركز يتسع ليشمل كافة محافظات المملكة، انطلاقاً من مقره الرئيسي في الكرك وفرعه في عمان، مع تركيز استراتيجي على إقليم الجنوب (الكرك، الطفيلة، معان، والعقبة)، لضمان وصول خدمات التمكين والحماية القانونية والاجتماعية للفئات الأكثر احتياجاً، ترسيخاً لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

جانب من أنشطة وفعاليّات مركز قلعة الكرك للاستشارات والتدريب
استراتيجيّة وحدة الجرائم الإلكترونيّة: التحقيق والتوعية لمواجهة الفتن الرقميّة
وفي ذلك، يقول رئيس وحدة الجرائم الإلكترونيّة المقدّم محمود المغايرة، تُعد وحدة الجرائم الإلكترونيّة إحدى وكالات إنفاذ القانون المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونيّة وتتبع إداريّاً للهيكل التنظيمي للبحث الجنائي، وتتبع إداريّاً للأمن العام، وتُناط بعد مهام من أهمها التحقيق في الجرائم التي تُرتكب باستخدام تقنية المعلومات، وتحويل مرتكبيها إلى القضاء.
وأكد المغايرة أنَّ هناك تنوّع في المهام التي تقوم بها الوحدة ويمكن حصرها بثلاث محاور رئيسيّة: المحور الإجرائي، والمحور التوعوي، والمحور العلاجي؛ ويتمثّل المحور الإجرائي باستقبال وحدة الجرائم الإلكترونيّة الشكاوى المتعلّقة بالجرائم الإلكترونية والتحقيق فيها، والتتبع الفني للحسابات المسيئة، وتحديد هوية مرتكبيها والتحقيق معهم ثم تحويلهم للقضاء، بالإضافة لضبط الأجهزة والأدوات المستخدمة في الجريمة وإدخالها لمختبر الأدلة الرقميّة؛ وهو أحد فروع الوحدة لاستخراج الدليل الرقمي الذي يُعتبر وسيلة الإثبات في الجرائم الإلكترونيّة ويربط الجاني بالفعل الجرمي.
وأضاف المغايرة أنَّ وحدة الجرائم الإلكترونيّة تتعامل مع نوعين رئيسين من القضايا أو الجرائم الإلكترونيّة؛ كالجرائم التي سهلتها التكنولوجيا وهي جرائم تنتج عن استخدام تقنية المعلومات مثل الذم والقدح والتشهير والابتزاز عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والابتزاز والاحتيال المالي، والاستغلال الجنسي، والاستغلال الجنسي للأطفال، بالإضافة لخطاب الكراهية، وغيرها من القضايا التي سهلتها التكنولوجيا. كما أوضح المغايرة أنَّ الوحدة تتعامل مع الجرائم الإلكترونية أو السيبرانيّة بحد ذاتها، ومنها هجمات تعطيل الخدمة ونشر الفيروسات واختراق الأنظمة والتعديل على البيانات أو حذفها.
وفي ذات السياق، أوضح المغايرة حيثيّة عمل المحور الثاني الذي تعمل به وحدة الجرائم الإلكترونيّة، وهو المحور التوعوي (الوقائي)؛ وفيه تلتزم الوحدة ضمن برنامج سنوي بالتعاون مع مديريّة الإعلام والشرطة المجتمعيّة بمحاضرات توعيّة تغطي كافة فئات المجتمع وكافة المؤسسات والجمعيات المدنيّة والعسكريّة وغيرها، فيما تحرص الوحدة على التوعية بأنماط الجريمة الإلكترونيّة الحديثة؛ من خلال توعية طلبة الجامعات والمدارس، والجمعيّات والمؤسسات الخاصة والعامة، والتحذير من القوع ضحيّة للجرائم الإلكترونيّة أو ارتكابها دون قصدٍ ووعي.
كما أكّد المغايرة على تعاونهم مع مختلف الوزارات الحكوميّة والاشتراك بكافة المبادرات التي من شأنها التوعية بخطر الجريمة الإلكترونيّة لكافة المواطنين من مختلف الفئات، فيما عمدت وحدت الجرائم الإلكترونيّة على استهداف المواطن من خلال أقرب الوسائل إليه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أنَّ هناك صفحة رسميّة لوحدة الجرائم الإلكترونيّة (CYBER CRIMES JORDAN) على موقعي "الفيسبوك" و "إنستقرام" للتحذير من خطر الجرائم الإلكترونيّة، وتوعيّة المواطنين من أي نمط جرمي حديث يظهر، وذلك حرصاً على حماية المواطنين من الوقوع ضحيّة لهذه الجرائم.
وختم المغايرة حديثه بالمحور العلاجي؛ وفيه تُعنى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونيّة بالرصد الإلكتروني، ثمَّ تُحرَّك بعض القضايا من خلال الادعاء العام؛ وهي القضايا المُجرّمة في قانون الجرائم الإلكترونيّة رقم (17) لعام (2023)، وهو المظلة القانونيّة لعمل الوحدة، حيث أنَّ المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونيّة عاقبت كل من قام قصداً باستخدام الشبكة المعلوماتيّة أو تقنية المعلومات، أو نظام المعلومات، أو موقع إلكتروني، أو مواقع التواصل الاجتماعي بنشر أي محتوى من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو استهداف السلم المجتمعي، أو الحض على العنف أو تبريره، أو ازدراء الأديان، فيما أشار المغايرة إلى أنَّ وحدة الجرائم الإلكترونيّة تُعنى بإعداد الإحصاءات والدراسات السنويّة لواقع الجريمة الإلكترونيّة في الأردن وبالتالي الخروج بتوصيات من شأنها الحد من الجريمة الإلكترونيّة، بالإضافة للخروج بتوصيات وعكسها على المحور التوعوي والمحاضرات التوعويّة التي تقوم وحدة الجرائم الإلكترونيّة بتغطيتها بالعمل مع شركاء الخدمة بإجراءات عمليّة؛ مثل شركات تزويد الإنترنت، والبنك المركزي، ووزارة التربية والتعليم وغيرها.
موقف علم الاجتماع: تشخيص سوسيولوجي وحلول استعادة المساحات المشتركة
فيما أنَّ هذه القصص الإنسانيّة ليست مجرد حكاياتٍ هامشيّة مؤقّتة، بل هي مرآة لواقعٍ يضعه علم الاجتماع تحت المجهر، وفي ذلك، يبيّن خبير علم الاجتماع الدكتور حارث مطلق أنَّ خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو عرض لمرض 'العزلة الاجتماعية' والجهل بالآخر، وهو ما تضاعفه أحياناً خوارزميات التواصل الاجتماعي التي تحبسنا في فقاعات ضيقة.
فيما أوضح مطلق "لكننا، ومن منظور سوسيولوجي، نمتلك القدرة على التغلب على خطاب الكراهيّة بكافة أشكاله سواء من خلال عبر استعادة 'المساحات البيئية المشتركة'؛ فالسلم المجتمعي لا يتحقق بالشعارات، بل حين ننتقل من مرحلة التعايش الحذر إلى التفاعل المنتج في الميدان.
واستطرد مطلق في حديثه نحو الحلول التي تُعنى بمواجهة خطاب الكراهية؛ الحل يكمن في تحويل السلم المجتمعي، وقبول الآخرين، وتقارب الأديان إلى مشاريع تنموية ملموسة تخدم الإنسان أولاً، وفي إعادة صياغة منصاتنا الرقمية لتكون 'مختبرات للتعاطف' المبني على العقل والمنطق، حيث تنشر قصص النجاح العابرة للهويات بدلاً من الإشاعات، مشيراً إلى أنَّ التفاؤل الحقيقي ينبع من إيماننا بأن التنوع هو المحرك الأول لابتكار المجتمعات، وأن بناء المناعة المجتمعية يبدأ بتعزيز قيم الدين التي تحث على تقبّل الآخرين والتسامح، وترسيخ قيم المواطنة الواعية التي ترفض الإقصاء تلقائياً وتجعل من الاختلاف طاقة بناء مستدامة لجميع فئات المجتمع.
أثر السلم المجتمعي وتقارب الأديان من وجهة نظر الأخصائيين النفسيين
من جهة أخرى، تؤكد الأخصائية النفسية د. شادية خريسات أنَّ المجتمع الأردني يرتكز على إرث صلب من التعايش الذي يتجاوز الاختلافات الدينية ليجعل منها عنصر قوة وجمال، مشيرةً إلى أنَّ التقارب والحوار بين الأفراد يوسعان مساحة الفهم المتبادل ويعززان الشعور الجماعي بالأمان والانتماء. وترى خريسات أن هذا التواصل المباشر هو السلاح الأقوى لكسر الصور النمطية وتقويض خطاب الكراهية، لما له من أثر نفسي عميق يمنح الفرد طمأنينة ويحميه من مشاعر العزلة والخوف.
وأضافت خريسات أنَّ شعور الإنسان باحترام المجتمع لاختلافه يرفع من مستوى مسؤوليته تجاه الآخرين، مما ينعكس إيجاباً على تماسك الدولة ككل، فالمجتمع الذي يسوده التفاهم يفرز أفراداً أكثر قدرة على العطاء وبناء علاقات إيجابية، مشددةً على أنَّ السلم المجتمعي مسؤولية تضامنية تبدأ بالكلمة الطيبة والإيمان بأن إنسانيتنا المشتركة هي المصدر الحقيقي للاستقرار والقوة.
وعلى المقلب الآخر، استطردت الخريسات محذرةً من "فاتورة الاغتراب" في حال غياب السلم المجتمعي، مشددةً على أنَّ غياب لغة التقارب والحوار لا يترك فراغاً، بل يملؤه التوجس النفسي؛ حيث يبدأ الفرد ببناء جدران دفاعية وهمية تجاه الآخر، مما يؤدي إلى تآكل الثقة المتبادلة، مشيرةً إلى أنَّ هذا التباعد يخلق حالة من العزلة الشعورية التي تجعل المجتمع بيئة خصبة لنمو خطاب الكراهية، فتتحول الاختلافات من مصدر ثراء إلى فتيل للأزمات.
التربية الإعلاميّة ودورها في بناء السلم المجتمعي ومواجهة خطاب الكراهية:
في سياقٍ متصل، قال أستاذ الإعلام الرقمي الدكتور بركات زيود توقِف الدراية الإعلامية والمعلوماتية استغلال الإنسان من قِبَل من يقوم بنشر الأخبار الكاذبة أو يروِّج الاشاعات أولاً، وبهذا تمنع بث خطاب الكراهية بين أفراد المجتمع، لأن جزءً كبيراً من الأخبار الكاذبة هي سبب رئيسي في خطاب الكراهية بين الأفراد، وهنا يجب الإشارة إلى أنَّ الدراية الإعلام تُكسب الجمهور مهارات التعامل مع هذا المحتوى قبل نشأته وخلاله وبعده، ويجعل المناعة المجتمعية ضد خطاب الكراهية كبيرة جداً.
ويوضّح الزيود، أنَّه ومنذ ظهور منصات التواصل الاجتماعي انتقل خطاب الكراهية لينال كل فئات المجتمع في كل مكان يتوفر فيه إنترنت وهنا أصبحت الانقسامات وخطاب الكراهية كبير ويستهدف الإنسان وديانته وعرقه ولونه وكل تفاصيل الحياة، وهو ما جعل كثير من الدول إلى اللجوء إلى استحداث تشريعات خاصة بالفضاء الإلكتروني لوقف كثير من الأذى على انتشار هذا الخطاب على هذه المنصات.
وأضاف الزيود، أنَّه ورغم اعتناق كثير من البشر لديانات مختلفة حول العالم إلا أنَّ خطاب الكراهية تفوق على ذلك وأصبح صوت ناشري خطاب الكراهية اقوى وأعلى ويستهدف كثيرين ولم يتم وقفه حتى الآن ونلمس ذلك في كثير من القضايا المختلفة التي تظهر بين الحين والآخر، في الرياضة، والدين، والسياسة، والمجتمع.
وختم الزيود كلامه، بأنَّه وبناء على حجم الدراسات والأبحاث في مجال التربية الإعلامية فإنَّ عملية حماية الجمهور من خطاب الكراهية تحتاج إلى توازن وخطط قصيرة وبعيدة المدى يتحد في الدين، والتربية الإعلامية، والقانون كثالوث حيوي يلعب على التأثير والوعي والردع.
وعلى صعيدٍ موازِ، شدد أستاذ الإعلام الرقمي الدكتور صدام المشاقبة على أنَّ التدفق الهائل للمعلومات عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي جعل من الصعب على المستخدمين التمييز بين المعلومات الدقيقة وتلك المضللة، مؤكداً أن تنمية التفكير النقدي والقدرة على التحقق من صحة المعلومات أصبحت اليوم مهارة أساسية لكل مستخدم في البيئة الرقمية.
وأضاف المشاقبة أنَّ حجم المعلومات الهائل الذي نتعرض له يومياً بات يجعل من غير السهل تصنيف المعلومات وتمييزها، مما يفرض على المستخدم أن يكون فاعلاً وواعياً لا متلقياً سلبياً. وتابع المشاقبة؛ "ومن هنا تبرز أهمية التربية الإعلامية والمعلوماتية التي تمكّن الأفراد من طرح الأسئلة الأساسية حول مصدر المحتوى والهدف منه، حيث إن بناء هذا العقل الناقد هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأخبار الزائفة والتضليل الرقمي."
ومن منظورٍ تقنيٍّ، بيّنَ المشاقبة أنّه أصبح بإمكان المستخدم تعلم مهارة التحقق من خلال أدوات رقمية متاحة؛ فمثلاً يمكن استخدام منصة (Google Fact Check Explorer) للبحث عما إذا كانت جهة تحقق قد فحصت الخبر سابقاً، أو الاستعانة بموقع (Snopes) الذي يعد من أشهر المنصات العالمية لتدقيق الشائعات. كما تساعد أدوات البحث العكسي عن الصور مثل (Google Images) و (TinEye) في معرفة المصدر الأصلي للصور المتداولة وكشف الصور القديمة أو المقتطعة من سياقها، وتبرز أيضاً أدوات تحليل الفيديو مثل (InVID) التي يستخدمها الصحفيون للتحقق من مقاطع الفيديو المنتشرة.
وفي جانبٍ إجرائي، ختم المشاقبة حديثه بأنَّ ترسيخ ثقافة التحقق الرقمي يتطلب شراكة حقيقية بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية والمجتمع، لتجاوز مهارات استخدام التكنولوجيا نحو بناء مواطن رقمي واعٍ وقادر على التحليل واتخاذ موقف مسؤول قبل إعادة نشر أي معلومة، مما يساهم في بناء فضاء رقمي أكثر مصداقية ومسؤولية وثقة.

تصميم توضيحي لخطوات التحقق من المعلومات والصورعبرالإنترنت- إعداد: د. دانا الشلول
التنوع الثقافي في الأردن.. رافعة للهوية الوطنية وضمانة للتماسك
وفي هذا الإطار، يرى أخصائي العلوم السياسيّة والتمكين السياسي، مالك الفضول أنَّه وفي ظل الحراك المستمر للمبادرات الفردية والمؤسسية، يبرز السياق الأوسع للتعددية في الأردن كعنصر أصيل في المشهد الوطني، وأنَّ المجتمع الأردني يستند إلى نسيجٍ متداخل من القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية، تستطيع أن تُحوّل فيه التنوع من مجرد حالة مجتمعية إلى عنصر قوة استراتيجي وركيزة أساسية للهوية الوطنية.
ويُشير الفضول إلى أنَّ هذا الاستيعاب الوطني للتنوع هو نتاج تراكم تاريخي من التعايش؛ بدأ بموجات الهجرة الأولى من الشركس والشيشان والأرمن في القرن الثامن عشر، وصولاً إلى اللجوء الفلسطيني والنزوح العربي، ومروراً بتشكل فسيفساء بشرية تضم التركمان، والسريان، والأقباط، والأكراد، وغيرهم.
كما أكد الفضول أنَّ هذا المزيج المتناغم الذي يجمع بين مختلف المذاهب الإسلامية والطوائف المسيحية، إلى جانب الدروز والبهائيين، يمثل مرجعاً حيوياً لفهم قدرة مؤسسات المجتمع المدني على صياغة برامج تشاركية تعزز التماسك المجتمعي وتتجاوز الفروق الدينية والثقافية

تصميم توضيحي لخارطة التعدد والتنوع الديني والمجتمعي في الأردن-إعداد: د.دانا الشلول
المنظومة القانونيّة الأردنيّة: أُطر مواجهة خطاب الكراهية وحماية السلم المجتمعي
فيما يوكّد المحامي الأستاذ عمران فريحات على حرص المُشرِّع الأردني في تعزيز السلم المجتمعي، مشيراً إلى أنَّه أرسى دعائم صلبة لمواجهة خطاب الكراهية والفتنة، حيث نصت المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية على أنَّه "يعاقب كل من قام قصداً باستخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو موقع الكتروني أو منصة تواصل اجتماعي لنشر ما من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو تستهدف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية أو الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان بالحبس من سنة إلى (3) سنوات أو بغرامة لا تقل عن (5000) دينار ولا تزيد على (20.000) دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين".
وبيّن فريحات أنَّ الردع القانوني لم يقتصر على الفضاء الرقمي، بل شمل الميدان العام والحياة العامة الواقعيّة من خلال المادة( 467 ) مكررة من قانون العقوبات، التي نصت في فقرتها الأولى على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن (3) أشهر ولا تزيد عن سنة لكل من أحدث شغباً أو حرَّض على الكراهية بأي وسيلة كانت في المؤسسات التعليمية، أو المنشآت الرياضية، أو أي مكان آخر امتد إليه هذا الشغب، فيما شددت الفقرة الثانية العقوبة لتكون مدة لا تقل عن (3) أشهر ولا تزيد عن (3) سنوات إذا اقترن الفعل بحمل السلاح، أو أي أداة خطرة، أو إلقاء مواد صلبة أو سائلة أو أي مواد أخرى مضِرَّة، أو نجم عن ذلك أضرار بالغير أو بالأموال العامة أو الخاصة.
وفي السياق الوقائي وبناء الوعي، أشار الفريحات إلى أهمية المادة (3) من نظام التنظيم الإداري لوزارة الاتصال الحكومي رقم (65) لسنة (2022) التي حددت مهام الوزارة في وضع سياسة عامة للإعلام والاتصال الحكومي ترتكز على الالتزام بالدستور ضماناً لحرية التعبير وتعزيزاً للنهج الديمقراطي، مع تعزيز دور الإعلام الوطني في الدفاع عن المصالح العليا للدولة والتمسك بالقيم الأصيلة للمجتمع الأردني، وحماية تعددية وسائل الإعلام وتعزيز حق الجمهور في إعلام مهني يحترم كرامة الإنسان. كما شددت المادة ذاتها على مسؤولية الوزارة في تنمية وعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، وتعزيز مبادئ المساواة والعدل وسيادة القانون، ووضع الخطط والبرامج اللازمة لتنفيذ هذه السياسات، ونشر التربية الإعلامية والمعلوماتية، والتصدي للشائعات وخطاب الكراهية وانتهاك حرمة الحياة الخاصة.

تصميم توضيحي للقوانين التي تضمن السلم المجتمعي وتحارب خطاب الكراهية وفقاً للدستور الأردني-إعداد: د.دانا الشلول
ميثاق الإنسانيّة: وحدة القيم الدينيّة كصمام أمان للسلم المجتمعي
المنظور الإسلامي: إغاثة الإنسان كأصلٍ في العقيدة والمنهج النبوي
من جهةٍ أخرى، يقول الشيخ أحمد الزعبي: "إنَّ الإسلام يقوم بمبادئ ترتكز على قبول الآخر ومعتقادته ، والتسامح مع الآخرين، ومحاولة كظم الغيظ، والعفو عند المقدرة، وتابع الشيخ الزعبي: الإسلام جعل 'حق الجار' من صلب العقيدة؛ والرسول ﷺ كان النموذج الأسمى في رقي التعامل مع الآخر، فكان يزور جاره غير المسلم في مرضه، ويُحسن إليه في جواره، ويقف إلى جانبه في مصابه ومحنته، ويجير الملهوف دون سؤال عن ملته أو خلفيته، ونوّه الزعبي أنَّ هذه الأخلاق النبوية هي التي صاغت مفهوم 'الفزعة' الأردنية؛ فإغاثة الإنسان -مسلماً كان أو مسيحياً-هي ميثاق إلهي وواجب شرعي يجمعنا.
وختم الزعبي حديثه، "ومن هنا، فإن إثارة النعرات عبر الشاشات من خلال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد جرم قانوني، بل هي خروج عن النهج النبوي الذي علَّمنا أنَّ 'المؤمن من أمنه الناس'، والمسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، وقوتنا تكمن في هذا الترابط الذي يهزم سموم الكراهية التي لا تسعى إلا إلى إثارة الفتن والبغضاء لتُزعزع أمن المجتمع واستقراره
المنظور المسيحي: ثقافة المحبة وترسيخ السلم المجتمعي
في سياقٍ متصل؛ يقول الأب أنطونيوس جرجس:"إن 'الفزعة' في وجداننا المسيحي بالأردن هي ترجمة عمليّة لوصية المحبة التي لا تسقط أبداً؛ فنحن حين نهِبُّ للمساعدة في لحظة ضيق، لا نسأل عن 'هوية' المستغيث أو دينه أو خلفيّته، بل نرى فيه أخاً في الإنسانية."
وأضاف الأب جرجس: إنَّ إغاثة الملهوف هي صلاة صامتة وممارسة إيمانية تتجاوز حدود الجدران، فالمِحَن لا تفرق بين المآذن والأجراس، والشدائد هي الاختبار الحقيقي لمعدن المواطنة الذي صهرته عشرة السنين، ليبقى الأردن كعادته عصياً على الانكسار أمام أي محاولة للتفرقة الرقمية."
تحدّيات ميدانيّة: معوقات عمل واستدامة منظمات المجتمع المدني
فيما فنَّد المختص في شؤون المجتمع المدني والتطوير المؤسسي في المنظمات غير الربحيّة الدكتور عاصم عبد الوهاب التحديات التي تواجه منظمات المجتمع المدني مشيراً إلى أنَّ هناك جملة تحديات مركبة تعيق مأسسة قيم التكافل؛ حيث تبرز معوقات التمويل والموسمية المرتبطة بالمنح الخارجية كأبرز العوائق أمام استدامة البرامج التوعوية، يرافقها بطء في الإجراءات البيروقراطية وضعف التنسيق المؤسسي الذي يحد من سرعة الاستجابة الميدانية. وأضاف عبد الوهاب، كما يظهر التحدي الجغرافي جلياً في تمركز الأنشطة داخل العاصمة والمدن الكبرى وصعوبة الوصول للأطراف والجيوب الأقل حظاً، فضلاً عن الاصطدام أحياناً بالأعراف الاجتماعية الراسخة أو "ثقافة العيب" التي تُفضّل الحلول العرفية على المسارات القانونية، مما يُضعِف دور المنظمات في تقديم حماية مؤسسية شاملة تتجاوز حدود الفضاء الرقمي لتلامس أوجاع الواقع الحقيقي.

تصميم توضيحي لتحديات منظمات المجتمع المدني نحو التنمية المستدامة-إعداد: د. دانا الشلول
نحو حصانة مجتمعية مستدامة
ختاماً، يبرهن المجتمع الأردني أنَّ حماية السلم المجتمعي ليست مجرد نصوص تشريعية، بل هي عقدٌ قيمي يُبرم يومياً في الميدان قبل الشاشات. وأنَّ الانتقال من 'الفزعة العفوية' إلى 'المأسسة الفكرية' هو الرهان الحقيقي لاستدامة الاستقرار، وهو ما يستوجب اليوم تبنّي استراتيجية وطنية شاملة تدمج التربية الإعلامية في المناهج المدرسية، لتكون حائط الصد الأول قبل صرامة القانون. وفي نهاية المطاف، يبقى إنساننا الأردني بوعيه ومسؤوليته هو السد المنيع الذي يحوِّل التنوع من ثغرة للفتنة إلى قوة استراتيجية عابرة للأزمات، ليبقى الأردن عصيّاً على التمزق، ومُحصناً بهويته التي أثبتت زيف كل خطابٍ دخيل.
_______________________________________________
*** جميع أسماء أصحاب القصص والحالات الواردة في التقرير مستعارة حفاظاً على خصوصيّتهم.
*** جميع الحقوق محفوظة للكاتبة